كتاب الراية

ما بين السطور.. حين تطرقني الفكرة

حين تنهمر المقالة أو القصيدة على صفحاتي البيضاء أشعر بامتلاكي أشيائي الجديدة

تأتي مسرعة وهي تمارس هوايتها الدائمة بالطرق على الأبواب المغلقة، لا تهتم إذا كنت مهيأة لاستقبالها، لا تهتم إن كنت نائمة أم واعية، مشغولة أم متفرغة.
تأتي دون أن تضرب لي موعدًا مسبقًا، ثم عندما تطرق لي بواباتي المغلقة منذ زمن، أجد صعوبة في فتح تلك المغاليق الصدئة، والتي تحتاج لقوة كبيرة لفتحها، وما عدت أمتلك تلك القوة، أو تلك القدرة على التحدي والمقاومة.
تفرغ من جعبتها ما حملته معها من رحلتها الأخيرة الميمونة، ربما تفرغ بعضًا من قصيدة جديدة، أو جزءًا من قصة عجيبة، وأحيانًا، تغمرني بمقالة جديدة، وسطور ملونة لا تزال مغلفة بورق الهدايا، أخشى من فتحها، حتى لا تبلى فجأة بفعل الريح والهواء والمطر،
حين تنهمر المقالة أو القصيدة على صفحاتي البيضاء، لتلونها بالحروف والفواصل والنقاط، وعلامات الاستفهام الكثيرة، أشعر بامتلاكي أشيائي الجديدة، التي أظل أتطلع إليها بين كل آونة وأخرى، وكأنني طفلة تخرج دميتها الجديدة من علبتها، لتنظر إليها فقط، وتناغيها، ثم تعيدها مرة أخرى إلى علبتها، حتى لا تتبعثر أجزاؤها هنا وهناك، وحتى لا تطالها أيدي البنات الصغيرات، اللاتي سيحاولن اللعب بها دون إذن مني.
قصيدتي الجديدة، كثياب العيد، أخبئها في خزانتي، بعيدة عن الأيدي العابثة، بعيدًا عن القصائد القديمة، حتى لا تغار منها، وتحسدها على مزاياها الجديدة، وحروفها المنمقة، وحتى لا تختلط بها، فتصبح جزءًا من تلك القصاصات القديمة، التي عفا عليها الزمن، وأصبحت في نظري من نصيب صناديق التبرعات الكثيرة، وذلك لأنها خرجت من مكانها مرات ومرات، وأصبحت مرئية للعيون الأخرى، ومقروءة من البشر الآخرين.
كل جديد له ركن جديد في زاويتي الخاصة، حيث لا يمكن لأي شخص آخر أن يتجرأ على الاطلاع عليها، فهي مخزنة في مكان آمن، محصن من كل الأيادي، والعيون، وصفحات الجرائد والمجلات، فهي مجوهراتي التي أحتفظ بها للزمن، وأحاول البقاء عليها في مكان مجهول وبعيد عن كل الكاميرات، والميكروفونات، والهواتف المحمولة، وشاشات الكمبيوتر.
كل ما هو جديد يظل جديدًا، يظل جميلًا، يظل هو الأحلى والأقرب، والأكثر ولعًا وشغفًا به.
لا يمكن لتلك الأفكار التي ما زالت تطرق من حولي الأبواب والنوافذ أن تنتقل دون إذن مني إلى سواي، أو تتحرك قيد أنملة من بين السطور التي سكبتها بأناملي فوق شاشة الكمبيوتر المحمول، هي مقيدة بي أنا، وسلطتي وحدي، فهي ملك لي، أزينها كيفما أريد، وأقلبها بين فكري مرات ومرات، أبحث بين جوانبها عن كل الأخطاء النحوية والإملائية، والمطبعية.
إنها تسكنني قبل أن أشرع لها قلوعي، تبحر بي قبل أن تعلمني مبادئ السباحة والغوص، تحلق بي عاليًا بين النجوم والكواكب، قبل أن أتحصن من النيازك والشهب المنطلقة حولي.
كم هي جميلة وهي في حللها الجديدة التي ليس لها مثيل، أشعر بها، وأراها تتقلد تاج الجمال والرقة، وهي تتوج فوق عروش المجد وهامات الزمن، منطلقة في مكوك فضائي بأسرع من الضوء واللون والفراغ والأمسيات الهادئة الناعسة، متشحة بي، وبعنفواني، وأنفتي، وكبريائي، لا تنحني، ولا تنثني، ولا تبعثرها الرياح ولا الأعاصير الغاضبة.
كلماتي، حروفي، جملي، سطوري، كل جديد، هو طفلي الذي ولد للتو، والذي لا يمكنه الخروج للنور وحده، إلا بعد أن يشتد عوده، ويتمكن من خوض غمار هذه الحياة وحده، بكل قوة، وثبات، وإيمان.

[email protected]

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق