fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. الرواية فن جاد أم تخريف

روايات كثيرة ظهرت ولم تحظ باهتمام القراء ولا النقاد.. لأنها لم تضف جديدًا ولم تستوفِ شروط الكتابة الروائية

من الملاحظ كثرة الإقبال على كتابة الرواية في بلادنا وبلدان عربية أخرى، نتيجة ما تحظى به من إقبال القراء عليها بالشكل الذي يضعها في مقدمة الفنون الأدبية التي تحظى بهذا الاهتمام بعد أن كانت الأولوية للشعر، ثم للقصة القصيرة، إلى أن تحولت الذائقة الفنية لدى معظم القراء إلى الرواية، مرورًا بما أفرزه الشعر أو القصة القصيرة من تحولات تمسّكَ مُنتجها بالانتساب غير الشرعي للشعر أو القصة، وهذا ما تؤكده أرقام النسخ المطبوعة من الكتب الروائية مقارنة بالمطبوع من كتب الفنون الأدبية الأخرى، بل إن بعض دور النشر التجارية لم تعد تهتم بإصدار الشعر بقدر اهتمامها بإصدار الرواية، وبعضها يرفض بوضوح إصدار الشعر ويقبل على إصدار الرواية استجابة لمؤشرات أرقام التوزيع التي تؤكد طغيان عدد المطبوع من الروايات على عدد المطبوع من غيرها، وهي ظاهرة تستحق التأمل.
إذا كانت الفنون السردية هي فن موازٍ للحياة، فإن الرواية هي أكثرها قدرة على إنتاج فن يوازي الحياة بشكل أكبر، لمرونتها في استيعاب الكثير من ملامح الحياة الإنسانية، وهي لا تعيد صياغة الحياة بواقعها الفوتوغرافي الدقيق، لكنها تنقي هذا الواقع من شوائب الفوضى التي يعيشها البشر، وتعيد ترتيب هذه الفوضى وفق شروط فنية وموضوعية تعطي النص الروائي قدرته على استقطاب اهتمام المتلقي، كما تمنح النص قدرته على البقاء آمادًا وأزمنة عديدة، وما الأعمال الروائية الكلاسيكية إلا خير دليل على أن العمل الروائي إذا استوفى شروطه الفنية الموضوعية، فهو قادر على البقاء في عقول القراء وقلوبهم.
أما ما نراه من كثرة الإقبال على كتبة الرواية، فهذا ليس مؤشرًا على وعي كل الكتاب بأهمية الكتابة الروائية، بدليل أن روايات كثيرة ظهرت ولم تحظ باهتمام القراء ولا النقاد، لأنها لم تضف جديدًا ولم تستوفِ شروط الكتابة الروائية التي تقتضي بالضرورة درجة معينة من الوعي بأن العمل الروائي هو بناء معماري متكامل من حيث اللغة والبيئة والمكان والزمان والوصف والشخصيات، والإبداع يتجسد في المحافظة على عناصر هذه الخلطة الفنية بمهارة فائقة، لأن غلبة أحد هذه العناصر على غيره يحدث إرباكًا وخللًا في بناء الرواية لتصبح غير مكتملة الأركان ومشوهة البناء، مما يؤدي إلى فشل الرواية في الوصول إلى كسب ثقة القارئ، فهي في هذه الحالة لن تضيف له ما يوازي الوقت الذي أمضاه في قراءتها أو حتى الجهد الذي دفعه ليتمكن من الحصول عليها.
ولا ننسَى هنا دور المتلقي في نجاح الرواية، فهي تحتاج إلى قارئ يعي تمامًا ما يتضمنه العمل الروائي من أهداف خفية، قد يخرج بها ظافرًا بقراءة ممتعة وفائدة تحقق هدفه، وهذه نتيجة ربما لا تكون حاضرة في ذهن الكاتب حين قدم عمله الروائي، لكن القارئ بوعيه خرج بهذه النتيجة، وهو وعي يتشكل من تراكم ثقافي اكتسبه من كثرة القراءة للروايات الناجحة، وهي قراءة تشمل تنوعًا عامًا لمختلف الروايات العربية والأجنبية، ليتعرف على أسرار الفن الروائي ويكتشف تضاريس الرواية بكل غموضها ومنحنياتها وخفاياها الملتبسة حيال القراءة السطحية، وكما أن كاتب الرواية ملزم بتنوع القراءة في المنتج الروائي والدراسات النقدية حوله، ليبادر بدوره إلى الإضافة والتجديد في عمله الروائي، فكذلك القارئ إن أراد الاستفادة مما يقرأ لأن القراءة هي كتابة جديدة للنص اعتمادًا على ثقافة القارئ وسعة اطلاعه.
وتظل الرواية هي محور الحياة القائم على الإنسان كاتبًا للرواية وبطلًا لأحداثها وقارئًا لمحتواها، ووحده القادر على وضعها في مكانتها اللائقة بين الأعمال الروائية المتميزة، كما أنه وحده القادر على الهبوط بها إلى أسفل سافلين. وفي الحالتين عليه أن يعرف أن الرواية ليست ترفًا، لكنها عمل جاد لا يستطيع العبور به إلى قمة النجاح إلا الكاتب المتميز، والقارئ الناضج والناقد الموضوعي النزيه.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X