كتاب الراية

وداعًا بوجمال..

رحم الله الأخَ الكبير سالم بن حسن الأنصاري جزاءَ ما قدّم وساهم في نشر المعرفة

كان ذلك عام 2009م، كنت أطلُّ من نافذة مكتبي، وأرى حريقًا قد شبّ في منطقة الأسواق بالقرب من سوق الديرة وسط الدوحة، تمنّيت في قرارة نفسي ألا يكون الحريقُ قد أصاب «مكتبة الثقافة» بسوء، وألا تمس كتبَها ألسنةُ النار، ولكن ما تمنّيته لم يتحقق، فالنار أتت على المكتبة والتهمت كل ما احتوته من كتب وحوّلتها إلى رماد.
كانت «مكتبة الثقافة» تلك من أجود المكتبات في قطر حينها، احتوت العديدَ من أمهات الكتب والمطبوعات القيمة والدوريات، وكنت زبونًا دائمًا لها أسوةً بالعديد من عشّاق الكتاب وروّاد المكتبات.
بعد يومَين اتّصلتُ بصاحب المكتبة الوالد والأخ الكبير سالم بن حسن الأنصاري أواسيه على هذا المصاب، لعلمي بمدى عشقه وتعلّقه بالمكتبات التي شيّدها في مُختلف مناطق الدوحة بجهده وحبّه وعطائه، كانت نغمة صوت الرجل حزينةً على المصاب، إلا أن حديثه كان مفعمًا بالإيمان بالله وشكره على أنّ الخسارة جاءت ماديةً فقط، ولم يتعرض أحدٌ لأذى.
مرّت شهورٌ، ثم زرته في مكتبه تحدّث لي بمرارة فقال: تصوّر يا أخ سعد بأنّ هذه المكتبة العريقة تتعرّض للحريق، وتتلف مئات من خيرة الكتب والمعارف والمجلدات والدراسات، ولكن لم يتّصل بي أي مسؤول في الدولة ليواسيني أو يسألني عن سبب الحريق، لقد كنتَ أنت الوحيد الذي بادر مشكورًا بالاتّصال بي، لم أكن أرغب في تعويض ماديّ لكنني يقينًا كنت أحتاجُ إلى مَن يقف معي مساندًا معنويًا وأنا أمرّ بتلك المحنة.
مُحدّثي كان الوالد والأخ والصديق سالم بن حسن الأنصاري، الذي انتقل إلى جوار ربّه يوم السبت 23 صفر 1442ه الموافق 10 أكتوبر 2020م، بعد حياة حافلة بخدمة الثقافة والمكتبات والنشر.
عرفت الرجل منذ سنوات، كنت أتردّد على «مكتبة الثقافة» بجميع فروعها، وكنت أزوره مرارًا في مكتبه على طريق المطار. تولّت «مكتبة الثقافة» توزيعَ مجلة الصقر التي كنت أرأس تحريرَها محليًا حتى توقُّف المجلة، ثم عادت المكتبةُ لتوزِّع المجلةَ في حلّتها الجديدة، وكان المرحوم يزوّد المجلة بنسخة من كل الإصدارات التي تقوم مكتبتُه بتوزيعها في قطر من صحف ومجلات، وبعد توقّف المجلة النهائي رفض أن يتوقف هو عن تلك العادة، وأصرّ أن تكون تلك الإصدارات جسرَ تواصل بيني وبين المكتبة، كل ذلك بفضل كريم أخلاقه ورقي تعامله، واستمرّت هذه العادة حتى اليوم فما زالت تَردني نسخٌ من جميع الإصدارات التي تتولّى دار الثقافة توزيعَها في قطر.
تخصّصت «مكتبة الثقافة» في توزيع المطبوعات الثقافيّة والأدبية والعلمية، بالإضافة إلى المطبوعات السياسيّة من صحف ومجلات ودوريات فقط، دون أن يكون لها نصيبٌ في توزيع المطبوعات الناطقة باللغات غير العربيّة.
وساهم الرجلُ بجهده الكبير في تنظيم معرض الكتاب، وفي الإشراف على إدارة المعرض ونجاحه، ويذكر جيلي أنّ موقع إقامة المعرض قد تنقل من مركز التغذية مقابل دار الكتب القطرية إلى فندق رمادا، ثم إلى فندق الشيراتون، حتى وصل إلى موقع إقامته الحالي، وكيف أشرفت «دار الثقافة» في ثمانينيات القرن الماضي على تنظيم المعرض، والجهود المخلصة التي بذلها بوجمال والتي كان لها الأثر الأعظم في نجاح المعرض قبل أن تتولّى الدولة الإشرافَ على تنظيمه وحتى اليوم.
وكان المعرض يُقام كل سنتَين مرةً، ثم تطوّر بعد ذلك ليصبح مهرجانًا ثقافيًا يُقام كلَّ عام، ويكون موعد إقامته في بلادنا في الأسبوع الأول من شهر يناير كل عام.
كما تنقلت اهتماماتُ الرجل بين مكتبة الثقافة، ومكتبة المدارس، والمكتبة العلمية، كلُّ ذلك من أجل إثراء الثقافة في ربوع بلاده، وتنقلت مقارّ تلك المكتبات من شارع سوق واقف قرب دوار البنك، وشارع البحارنه، وشارع النصر، وشارع المطار، ثم شارع معيذر التجاري، حتى أراد الله لمسيرتها أن تتوقف بعد أن كان اسمُها يتردّد على ألسنة المثقّفين، وطلبة العلم، والعامة في قطر لسنوات.
رحم الله الأخَ الكبير سالم بن حسن الأنصاري رحمةً واسعةً جزاءَ ما قدّم وساهم في نشر المعرفة، داعيًا المولى عز وجل أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته، أن يحشره مع الصديقين والشهداء والصالحين.
وعزائي لأسرته الكريمة ولأبنائه، مُتمنيًا منهم المُحافظة على إرث بوجمال الثقافيّ، وأن تعودَ دارُ الثقافة كما كانت صرحًا ثقافيًا تنويريًا يُساهم في مسيرة البناء في هذا الوطن الغالي.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X