fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر.. بِمَ تقدموا وتأخرنا والخَلقُ واحد؟

الاستعمار الغربي ترك الأثر العميق لما آل إليه واقعنا

في عام 1892م، أي قبل أكثر من قرن وربع من الزمان.. وعلى صفحات مجلة (الأستاذ)، كتب السيد عبدالله النديم مُتسائلًا:
«بم تقدموا وتأخرنا والخلقُ واحد»؟.
سؤال.. ما زال حيًا وصداه يتردد بحراره فوق كل الأرض العربية.. ولم يختف عن المشهد أبدًا رغم مرور الأعوام. فما زال المُفكرون والكُتّاب والعامة يبحثون عن الجواب. مما يجعله سؤالًا راهنيًا مطروحًا بشدة علينا اليوم، وكأننا لم نغادر ذلك التاريخ.
فبعد هذه المدة الطويلة، ظهرت إلى الوجود دُول، واختفت أخرى، وخرج ودخل علينا أكثر من مُستعمر، وانتفضت أمم، وصحت من غفوتها.. ونهضت أمم أخرى من كبوتها.. وتقدمت ووجدت طريقها بين الأمم المتقدمة المُتحضرة.. فوضعت بصماتها على التاريخ، ونحتت لأقدامها موطئًا في قلبه، وتحركت مع حركته، وتأثرت به وأثرت فيه.
وبينما تقدم، ويتقدم الآخرون، لا نزال ندور حول أنفسنا، ونسأل نفس السؤال.. ولا نلقى له إجابة مُقنعة مُرضية تُشخّص الحال. فتوقفنا.. وتجمّدنا.. وتصلّبت عقولنا.. وراوحنا مكاننا. وأبى التاريخ أن يُدخلنا تحت عباءته.. فتخلفنا، وأضعنا الفرصة تلو الفرصة.. ولم نلحق بقطار التقدم.
وجرّبنا المشروع بعد المشروع.. والفكرة بعد أختها.. وجلبنا كل نظريات الخارج القديمة والحديثة، ومُختلف أفكار وفلسفات الغرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية.. لكن بقي الحال هو الحال.. وأصبح نيل الجواب من المُحال. واتجه البعض للخلف، لعله يجد الجواب، فتاه واختفى وراء السراب.
فمنذ تلك اللحظة التاريخية، عندما وقفنا مع الأوروبي الغازي وجهًا لوجه، أدخلتنا الصدمة في جُبٍ عميق، ونحن في عمقه.. نصرخ.. ننادي، وننتظر سيارةً لِتُخرجنا منها.. لكن أبينا أن نحاول الخروج بأنفسنا، كما فعلت الأمم الأخرى، فألقينا كل اللوم على الأجنبي، وأرحنا أنفسنا عناء المحاولة والتفكير، وأقنعنا أنفسنا أن العيب ليس فينا، إنما في هذا الأجنبي الذي استعمرنا.
نعم.. لا ننكر أن للغربِ يدًا فيما نحن فيه اليوم.. ورِجلًا فيما كنا فيه بالماضي.. كما أن الاستعمار الغربي ترك الأثر العميق لما آل إليه واقعنا المُتخلف والرجعي. وهذا الغرب هو الذي جلب لنا العذاب والدمار والخراب.. وهو الذي نشر مبادئه الهدّامة، ووضع سمومه في موقع القيادة، وبين جماهير الأمة، وترك لُغمًا في دساتيرنا. وهو الذي استنزف العقول المُهاجرة واحتضنها، وامتص زغمًا كان يُمثل عونًا في نهضة بلداننا، لحاجتها لجهودهم وفكرهم وعلمهم في بناء المجتمعات الوليدة.
لكن تبقى المُشكلة الرئيسية في «ذواتنا»، التي لم نغوص عميقًا بداخلها.. لنُخرجها من سُباتها.. ونومها.. ونُعيد إحياءها.
من المؤكد، أن أسباب وعوامل تخلفنا وتراجعنا عديدة، ومُتشعبة، ولا يمكن إيجازها وحصرها في مقال واحد، أو دراسة واحدة. وهناك الكثير من المقالات والدراسات والمؤلفات التي درست ظاهرة «التخلف» الذي نعاني منه، وأشبعتها تحليلًا من جميع جوانبها الموضوعية والذاتية. وسيكون لنا عودة إلى هذا الموضوع في مقالات لاحقة…
لكن ما يهم هنا، هو الإشارة إلى الجو العام في المجتمع العربي، الذي لا يلقى فيه «العِلم» ولا «العُلماء» التقدير الكافي والمُستحق. ولا يتهيأ في هذا الجو ظهور «العلم» بمعناه الحركي لصناعة التقدم، كما حدث في الغرب.
فما هو سائد لا يُمثل جوًا يكون فيه الكفاح من أجل النهوض والتقدم هو الطبيعي لصناعة العلم والمعرفة.. ولا هو الجو الذي يشعر المُتعلم بأن عليه رسالة يؤديها بجانب سعيه في توفير لقمة العيش.
فعندما تقتنع القيادات التي تدير أمور الناس، أنها هي المسؤولة عن قدر كبير من الأخطاء والإخفاقات في إدارتها للحكم.. وأن جوهر المُشكلة هو عدم اقتناعهم بدور «العقل» و «العلم» و «العلماء» في النهضة. إضافةً إلى اقتناع المُتعلم المُخلص، بأن صوته مسموع وكرامته محفوظة، وحريته مكفولة، وتتهيأ له الظروف المادية والنفسية والمعنوية.. كالتي يلقاها نظيره في الغرب والشرق.
عندها نكون قد بدأنا خطوة في هذا الجانب. وربما حصلنا على أول حرف من الجواب على سؤال الأستاذ «النديم».. وتبقى خطوات أخريات من تهيئة العناصر المادية الموضوعية.. وهي جمّة، من أجل تركيب بقية الكلمات.. للتوصل إلى الإجابة الكاملة لهذا السؤال. فيرتاح هو في «قبرِه».. وترتاح الأمة.. وتخرج من «قبرها»، وتحيا حياةً جديدة.. أسوةً ببقية الأمم.

 

[email protected]
twitter:@DrIbrahim60

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق