fbpx
كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. أحداث النهاية

نسي الجميع في غمرة معركتهم أن قاربهم متّجه بسرعة كبيرة إلى شلال سيهوي بهم ليقضي عليهم جميعًا

المشهد الأول في قصة فرعون: تابوت خشبي يحمل الطفل موسى، يدخل حدود قصور فرعون، هذا التجاوز الجغرافي هو قدَر الله الذي أنقذ به الطفل من الموت، الجنود امتنعوا عن قتله لأنه داخل حدود قصر سيدهم الذي لا يراق به دم دون إذنه لتبدأ القصة، اختلف المفسرون في عدد السنين لأحداثها والأرجح أنها سبعين سنة ولعل المشهد الأبرز حينما غرق فرعون في الماء في ذروة جبروته.
في كل زمن هناك قصص تشهد ختام أحداثها، الكثير شاهد مراحل بروز صدام حسين، عام ١٩٩٠ قمة بغداد بدا للكثيرين أنه شخصية مفرطة بالثقة والاعتداد بالنفس، حديثه وهو يمسك السيجار الكوبي بكثير من الصلف والتعالي، لا نحتاج لسرد كل تفاصيل مسيرته ولكن نتذكر بوضوح غرفة الإعدام وأصوات الشامتين وضجيج فتح حفرة المشنقة، ليتهاوى جسده لتنتهي كل صولاته وجولاته.
القذافي يصف نفسه بأنه مواطن ولا يحكم، دشن تجربة فلسفية يستحيل تطبيقها «الجماهيريه» ، ادعى العمل بها ولكن بوجوده تصبح الحشود صفرًا على يسار الرقم ليس لهم قيمة، أخذ يتتبع معارضيه للقضاء عليهم، له الكثير من الآراء والتصرفات التي تبدو غريبة جدًا، أحداث قصته كثيرة ومتشابكة، ولكن المشهد الأخير هو من بقي عالقًا في الأذهان لحظة وقوعه في يد أعدائه، أخذ يتوسل لهم بعد اعتياده لسنوات طويلة على سماع توسلات ضحاياه، ربما تمنى تلك اللحظة المهينة سرعة انطلاق رصاصة الرحمة تجاهه، نعم حدث ذلك ليسدل الستار على غرائب قصته بتناقضاتها والتي استمرت سنوات طويلة، طحنت رحى النسيان الكثير منها، وما بقي عالقًا تلك اللحظة الأخيرة بدقائقها المحدودة، أربعين سنة التهمتها ثوان بسيطة كعلو كعب عصا موسى أمام أفاعي سحرة فرعون.
الجنرال أوفقير رجل المغرب القوي الدموي، ُجمع له بين وزارة الدفاع والداخلية من شدة ثقة الملك به، طموحه ذهب به إلى التخطيط ليسلب مليكه عرشه، لينهي حكم أسرة حكمت من القرن السابع عشر، وضع خطته بعد مسكه بكل خيوط السلطة، يوم التنفيذ انطلقت طائرة الملك من باريس متوجهة إلى عاصمته الرباط، بعد الدخول في المجال الجوي المغربي وحسب البروتوكول الملكي رافق الطائرة عدد من الطائرات الحربية المغربية، وفي لحظة استدارت تلك الطائرات لتمطر طائرة الملك بالقذائف، الملك تمسك برباطة جاشه وتعامل مع الموقف بكثير من الثبات، أخذ اللاسلكي ليخبر المهاجمين أنه أحد فنيي الطائرة وبمقتل الطيارين وإصابة الملك وهو يحتضر، أقنعهم بنجاح مهمتهم ولا جدوى من الاستمرار وقتل البقية، بنجاة الملك ونزوله المطار سليمًا فشلت العملية، وانكشف المخطط بهروب أوفقير من استقباله في المطار، رجل المغرب القوي ألقي القبض عليه ليُعلن بعدها انتحاره، لتنتهي قصة طموح رجل كان الطريق معبدًا له ليصل لسدة السلطة، وللاقدار الكلمة الأخيرة، لتنتهي القصة على بيان رسمي يسمعه المواطنون في الإذاعة يعلن موت رجل طالما أذاق كأس المنيّة لغيره، ويختم البيان بجملة: «لن تتلى آيات من القرآن على جثمان أوفقير كما هو المعتاد مع الموتى حسب تعاليم الإسلام لأنه مات منتحرًا» .
قال السادات «مش ممكن» آخر ما نطق به حين أدرك أنها النهاية، باغته الموت من حيث لا يحتسب، حيث رفض وجود حرس يفصل بينه وبين جنوده في ساحة العرض، ليقول: إن من يحاول قتلي سيأتي خلف المنصة وليس أمامها.نعم نهايته في يوم مجده وعلى مشهد من الجميع.
قصة نهاية هتلر غريبة تزوج من إيفا براون في قبو بعد أن تم إبلاغه باقتحام جيوش الحلفاء لعاصمته برلين وانهيار جيوشه، أنهى مسيرته التي كلفت عشرات الملايين من القتلى بلحظة من الفرح الإنساني، ليقال إن بعد إعلان الزواج ابتلع مع زوجته سمًا قاتلًا لينتهي مشهد غريب ختامي جمع بين بهجة الحياة وسكون الموت.
قصص متشعبة من الأحداث والتناقضات والأمل والفرح والحزن والتخطيط والنجاح والفشل والمجد والانكسار، وصراع أشبه ما يكون بصراع أفراد للسيادة على قارب صغير، نسى الجميع في غمرة معركتهم أنه متجه بسرعة كبيرة إلى شلال سيهوي بهم جميعًا ليقضي عليهم بلا استثناء.
عموما أحداث النهاية، تجعلنا نعلم بدقة الفصل الأخير لقصص بدأت للتو، ليس تنجيمًا ولكن مشهد يتكرر مع تغيّر في الأسماء.

Twitter:khalifa624

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق