fbpx
كتاب الراية

التعافي الاقتصادي من كوفيد-19

ستبقى الاستثمارات الدولية عاملًا من عوامل ضمان حيوية الاقتصاد القطري

بدأت التحديات الحالية للاستثمار في جميع أنحاء العالم قبل فترة من انتشار كوفيد-19. فقد انخفضت التدفقات الاستثمارية هذا العام بجميع أشكالها إلى مستوى جديد بين الولايات المتحدة والصين، كما أدى التنافس المستمر بين العملاقين إلى استقطاب المستثمرين.

وبالنظر إلى أن العلاقات التجارية العالمية متداخلة بشكل معقد، مثل الكثير من الشؤون العالمية، فإن مفاهيم «المرونة» المالية و«الاستدامة» ستلعب أدوارًا حاسمة، على وجه التحديد بعد تجاوز ردود الفعل «التحفيزية» الانفعالية السريعة، التي ما زلنا نشهدها في بلدان عدة حول العالم.

ومع ذلك، ستظل الاستثمارات الدولية جزءًا لا يتجزأ من قوة اقتصادنا القطري. بالعلم أن هذه القوة تتجاوز أصول ذراع الاستثمار الوطني (جهاز قطر للاستثمار) لتشمل استثمارات مؤسسية من قبل جهات أخرى في مجالات الطاقة والإعلام والسياحة والتعليم والعقارات والتطوير، بالإضافة إلى المستثمرين من القطاع الخاص.

قد تعني المرونة على المستوى الوطني تقديم دعم قوي للشركات الصغيرة والمتوسطة في «سلسلة التوريد المحلي» على سبيل المثال. وغني عن الذكر في ذلك الإطار أننا كنا في قطر محظوظين بحدث عام 2017، حيث إنه أنار بصيرتنا واضطرنا شاكرين لبناء وتعزيز مرونتنا الاقتصادية المحلية. ولكن في سياق الاقتصادات والتداولات المالية العابرة للحدود فإن جوهر المرونة هو التنويع المنهجي لمحافظ الاستثمار.

نوعت قطر محافظها الاستثمارية تنوعًا إستراتيجيًا في العديد من فئات الأصول، وكما المناطق الجغرافية مثل المملكة المتحدة وجنوب شرق آسيا، بينما الولايات المتحدة والصين بقيا على طرفي نقيض. إننا نحصد الآن ما زرعناه في شكل امتلاك اقتصاد قوي يستمر في تحقيق النمو المتصور والمخطط له من عشرات السنين بثبات. قريبًا جدًا ستدخل «المرونة الحقيقية» أيضًا في عملية مواجهة الارتكاس العنيف المقاوم للعولمة الذي نتج عن مواجهة كوفيد-19. حيث ستعتمد اقتصادات العالم على استثمارات بعينها. هذه الاستثمارات في الغالب تمكن في مجالات الاستدامة الاجتماعية والبيئية.

المؤسسات المالية الكبرى مثل «ستيت ستريت» و «بلاكروك» لديها قناعة راسخة الآن بأن معايير الاستدامة «البيئية والاجتماعية والحوكمية – إي اس جي» لها أهمية قصوى في قدرة المحفظة الاستثمارية على الصمود. أثبتت الاستدامة مؤخرًا أنها أكثر من مجرد وسم للأصول. فقد تفوقت أكثر من 90٪ من مؤشرات إي اس جي على مؤشرات السوق الأخرى في عام 2020، العام الذي امتاز بالهبوط الحاد والتاريخي. لم يعد هناك اعتقاد سائد كما في السابق بأن إي اس جي تضحي بجني الأرباح المجزية. بل إنها تخطت حد الاعتقاد إلى أن أضحت حقيقة مجربة ومثبتة وهي أن العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمية تقلل من المخاطر مع زيادة واستقرار العائدات.

رغم تجاوز الاستثمارات الخيرية لدولة قطر في أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة العديد من مساهمات البلدان الأخرى، إن لم يكن معظمها، إلا أن الرغبة القطرية في الاستثمارات الربحية ذات الطابع البيئي والاجتماعي مازالت وليدة. في يومنا هذا يدور الكثير من جدالات صناعة القرار الاقتصادي والسياسي حول تغير المناخ والوباء المستجد كما شهدنا مثلًا في مناظرات انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة. وبالتالي، سيتعين علينا اللحاق بركب التحول في منظور إي اس جي حيث يتصارع العالم في زمننا هذا على حلول مثل تلك المشاكل الوجودية.

في هذا الصدد يُثمن «المستثمرون المؤسسيون» في أيامنا تلك وأكثر من أي وقت مضى العوامل النوعية وليس الكمية فحسب في تقييم الاستثمارات. تعد مبادئ إي اس جي أو الاستثمار المستدام والمرن أمرًا متزايد الأهمية كما أثبتت وستثبت الأيام. وبقدر ما نرغب في وجود اسم قطر كمستثمر في حلول ثورية للاحتباس الحراري أو في لقاح الجائحة الحالية أو القادمة، فالأولى من ذلك أن ندفع استثماراتنا في اتجاه منع أو تلافي مثل هذه الأزمات من الأساس.

أستاذ التنمية المستدامة

الزائر بجامعة حمد بن خليفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق