fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر ..الثقافة والخدمة الاجتماعية

تطوير الذات يعني تطوير العلاقة مع العمل، وتحقيق الجودة المطلوبة في أدائه

القراءة نافذة على عالم موازٍ للواقع، وفيها متعة ذهنية وفكرية، وسياحة روحية تبعث على التحليق في فهم الذات وصلتها بالوجود والناس، وتخلق حالة من الثقافة الشمولية تؤصل لثقافة عميقة وعامة، والثقافة العامة تشكل بدورها رافدًا قويًا لاتساع الأفق، وفتح مجالات جديدة للإنسان لتنمية مداركه الروحية والنفسية والعقلية، وهي عامل أساس في زيادة رصيد اللغة وتجارب الحياة لدى الإنسان، مما يمكنه من التواصل مع الآخرين بيسر وسهولة بعد أن يكتسب مهارات التواصل الاجتماعي مطمئنًا على أن لغته قادرة على إسعافه لخوض أي نقاش حول أي موضوع، بما في ذلك حالات الممارسة المهنية في مجال تخصصه، إذا لا تكفي ثقافة التخصص المحدودة في إطار معين، لا يملك الخروج منه والإضافة إليه إلا ذوي الثقافة العامة، الذين يستفيدون من قراءاتهم العامة ما يضيف الكثير لقراءاتهم التخصصية، والمحصلة النهائية للثقافة العامة ليس تطوير الذات فقط، ولكنها أيضًا إضافة إلى ذلك تؤدي إلى تطوير أدوات الأداء المهني المؤدي لتطوير العمل ذاته، عند النظر إلى هذا العمل بشمولية تراعي كل جوانبه الظاهرة والخفية التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج تعجز عن أدائها الأطر التي تحددها مواد التخصص في معالجة مختلف الحالات، وكيف يمكن تطوير الأداء الوظيفي لدى الموظف الذي لا يطور ذاته أولًا؟ أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟. والكل يدرك أن مهنة الخدمة الاجتماعية تعني الدخول في نقاش مباشر مع الفئات المستهدفة، وأي ارتباك في هذا النقاش قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة وربما تصل إلى نوع من العشوائية التي لا تستفيد منها الحالة المراد علاجها، وقد تكون الحلول كارثية لأنها مبنية على نتائج تفتقد الدقة المهنية، وتجنح إلى الارتجال في أحكامها، وكثيرون يتعلمون ولا يستفيدون من علمهم لأنهم لم يدعموا هذا العلم بثقافة عامة تؤسس لشمولية النظر ودقة التشخيص للوصول إلى النتائج الإيجابية المبتغاة كهدف تيسرت له عوامل النجاح، فتحقق هذا الهدف على أعلى مستويات ذلك النجاح.
صحيح أن التخصص هو الأساس في مجال الخدمة الاجتماعية، لكن هذا التخصص سيؤتي ثمارًا أكثر نضجًا ونتائج أكثر إيجابية إذا اتخذ منه الممارس للعمل الاجتماعي أساسًا ينطلق منه إلى آفاق ثقافية ومعرفية واسعة من خلال القراءة ليس في مجال التخصص فقط بل في جميع مجالات الثقافة والمعرفة.
وكثيرون من المتخصصين في الخدمة الاجتماعية يحققون تفوقًا في دراستهم، لكنهم يفشلون في الممارسة الفعلية وليس النظرية للعمل الاجتماعي، لأنهم لا يملكون القدرات الثقافية التي تؤهلهم للتميز في مجال عملهم الميداني، وكأنهم بذلك يجهضون جهدهم الدراسي، بعد أن فشلوا في ترسيخ قواعد المهنة في قلوبهم قبل عقولهم، ومن يحب ممارسة تخصصه بتفوق لابد له من أن يهيئ أسباب هذا التفوق عن طريق التثقيف الذاتي المستمر، سعيًا لتطوير مهاراته الذاتية، مع ملاحظة أن المواد الدراسية ذاتها تحتاج إلى معرفة أكثر بما يطرأ عليها من تطور، لأن الكثير من النظريات تتغير بحكم التجارب الإنسانية التي تدعم تلك النظريات بروافد جديدة لا يمكن الاطلاع عليها إلا عن طريق القراءات العامة، الهادفة لثقافة أشمل ومعرفة أعمق، سواء في مجال التخصص أو المجالات الأخرى.
تطوير الذات يعني تطوير العلاقة مع العمل، وتحقيق الجودة المطلوبة في أدائه، وتيسير وسائل هذا الأداء باحترافية مهنية عالية، ووحدها الثقافة هي القادرة على تزويد الممارسة المهنية بسلاح القدرة على الأداء الأفضل، وعزل كل الشوائب والمعوقات عن طريق الأداء الوظيفي الأمثل لممارسة الخدمة الاجتماعية على أفضل وجه، مهنيًا وإنسانيًا بثقة تامة ويقين راسخ بالتميز في الأداء الوظيفي والنجاح في الممارسة المهنية، وتلك غاية لا يدركها إلا من يملك الثقة بنفسه وبقدراته الثقافية الشاملة.

 

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X