fbpx
كتاب الراية

«الجزيرة».. دلالة الاسم ورمزية المكان

الجزيرة كسبت التحدي ونجحت في أن تكون صوتًا للشعوب

الجزيرة ظهرت ملجأ في بحر متلاطم من التعتيم والإعلام النمطي

كسرت جمودًا في الإعلام العربي ظل جاثمًا على صدره لسنوات

نهجُ الجزيرة في تناول القضايا شدَّ الانتباهَ إليها منذ انطلاقها

في ستينيات القرن الماضي بحث الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عن صوت يكون جسرًا للتواصل بينه وبين الجماهير العربية، فتسنى له أن يطلق من القاهرة محطة إذاعية تكون مهمتها إيصال آرائه وأفكاره إلى الجمهور العربي.
هكذا بدأت «صوت العرب» إذاعةً عربيةً ينطلق بثها من العاصمة المصرية في قلب الوطن العربي لتصل «محيطَه الهادر بخليجه الثائر»، كان عبدالناصر يملك «رؤية» قومية يريد لها أن تكسر حاجز «الصمت» العربي ويُطلق عبارته الشهيرة «ارفع رأسك أنت عربي».
فحققت «صوت العرب» ما هدف إليه «الزعيم العربي»، وتعلَّق الناس بها أيما تعلُق، فكانت تُسمع في المكتب والمنزل والمقهى والسيارة، وتسيَّدت بذلك المشهدَ الإعلامي العربي حينها.
كان صوت «أحمد سعيد» يزلزل المكان وهو يصرخ وينادي ويهتف بحياة الزعيم ومسيرته، وتمكنت «أم كلثوم» من توحيد الجمهور العربي وإجباره على ضبط موجات الراديو على أثير إذاعة «صوت العرب» مساء كل خميس ليستمع لسيدة الطرب العربي وهي تصدح بأجمل أغانيها.
وتمر الأيام.. وتدخُل إذاعة «صوت العرب» في منافسة شرسة مع محطتين إذاعيتين أجنبيتين هما إذاعة «بي بي سي العربية من لندن»، وإذاعة «صوت إسرائيل من أورشليم»، وطغت، وللأسف، مصداقية المحطتين الأجنبيتين على الأولى، حتى خبا صوت الإذاعة العربية بعد نكسة 1967م وتراجعت شعبيتُها وأصبحت مثل أخواتها بعد أن اختطف الموت صاحبها.
وهكذا، مضت (43) سنة بين تأسيس «صوت العرب» عام 1953م، وظهور «قناة الجزيرة» عام 1996م، عاش فيها الإعلام العربي بين تقلبات، فلا محطة تلفزيونية، أو إذاعية، ولا إعلام مقروءًا، يشد الأنظار، من المحيط إلى الخليج، إذا ما استثنينا مجلة «العربي» الثقافية الكويتية التي كُتب لها الاستمرار على الرغم مما قاسته من ظروف وقلة الإمكانات.
إلى أن شاءت إرادة الله أن تنطلق في سماء الإعلام العربي قناة فضائية جديدة تحمل اسم «الجزيرة»، حدث ذلك مساء يوم الأول من نوفمبر 1996م، وكان الشيء المميز فيها وشدَّ الانتباه إليها منذ أول انطلاقها هو نهجُها وخطها في تناولها للقضايا، والمناقشات التي فتحت ذراعيها لها، ونوعية المواضيع التي طرقت أبوابها، ناهيك عن مشارب الضيوف الذين أطلوا من خلالها على المشاهدين، أتاحت للمُراقب أن يدرك أن من يقف وراء هذه المحطة يملك أيضًا «رؤية»، وإن اختلفت، ويؤمن بنهج القناة وأسلوبها في تناول مختلف القضايا العربية والدولية، رغم حساسيتها في بعض الأحيان، وفي محيط يرفض الحديث عنها حتى عبر إعلامه المقروء فكيف بثًا على الهواء مباشرة؟! ظهرت «الجزيرة» ملجأً في بحر متلاطم من التعتيم والإعلام النمطي.
هنا التقى «عِظم الفكرة» مع «الإرادة الراسخة»، تلك الإرادة التي تدرك أن ضريبة الحرية قاسية، وقد تتعارض مع المصالح، وقد تؤذي العلاقات، وقد تُدخلك في خانة «العتب» ثم «الزعل» وفي بعض الأحيان تؤدي بك إلى «القطيعة».
إن عظَمة الشيء هي في مقدار التضحية التي تبذلها في تحقيقه، وما تؤمن به وتتخذه مسارًا لتسلكه وتحديًا لتخوضه، فالعراقيل قد تكون كثيرة، والنقد قد يكون بلا حساب، والتشكيك في الانتماء، وتهمة الخيانة تكون جاهزة، فهي أمور لا بد أن تعتاد على سماعها ما دام نهجك وطرحك مختلفًا عما يرغبه ويريده غيرُك.
نجحت «قناة الجزيرة» في كسب التحدي، ونجحت في أن تكون صوتًا للشعوب، بل كسرت جمودًا في الإعلام العربي ظل جاثمًا على صدره لسنوات. والفضل في ذلك يعود، بعد الله، لصاحب الفضل الذي فتح الباب على مصراعيه لهذه القناة، لتنطلق برؤية جديدة في تناول وطرح قضايا الأمة، ولتكون صوتًا لمن لا صوت لهم، أو كما قال عنها الشيخ عبدالمحسن العواجي «أبوهشام»، خلال لقائه في برنامج «بلا حدود» في يوليو 2002م، بأن «قناتكم هذه أصبحت منبرًا للذين لا منبر لهم».
أذكر أنني قلت في ندوة ثقافية حول حرية الإعلام نظمتها وزارة الثقافة، إن لحرية الإعلام ضريبة، بل ضريبة قاسية، وإن الإعلام، بأنواعه المرئي والمسموع والمقروء …إلخ، منبرٌ للبشر لطرح آرائهم وأفكارهم، وترُد الآراءُ والأفكار بعضها بعضًا تبعًا لقوة حجيتها، والبحث عن منبر لطرح الرأي طبيعة بشرية في الإنسان منذ أن خلقه الله، ولن تكتسب أي وسيلة إعلامية مصداقيتها ونجاحها دون ذلك. وعن «قناة الجزيرة» قلت إنّ التاريخ كما يذكر لنابليون بونابرت أنه أول من أدخل «المطبعة» إلى العالم العربي خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م ومنها انطلقت الطباعة لتُيسر للكتب والصحف والمجلات أن تكون في متناول الأيدي، فكذلك سيُذكر لقطر وقائدها وأميرها آنذاك بأنه أول من كسر الجمود في الإعلام العربي وحرك مياهه الراكدة، ليُطلق في فضائه قناة جديدة، لا في الشكل والمظهر، بل في الفكرة والرؤية والطرح.
أختم وأقول: في سبتمبر 1995م صدرت في قطر صحيفة يومية رابعة باللغة العربية حملت اسم «الوطن»، وكان من المفترض، حسبما تم الاتفاق بين مؤسسيها، أن تُسمى ب «الجزيرة»، إلا أنه طُلب منهم تغيير الاسم، لأن اسم «الجزيرة» كان قد ترسخ في ذهن صاحب الشأن ليسمي القناة الجديدة به. كان ذلك قبل أربعة عشر شهرًا من انطلاق القناة، ما دل على أن العمل على رسم النهج والخط والفكر كان قائمًا، من أجل أن تكون هناك قناة إعلامية عربية جديدة يحق لشعوب الأمة العربية أن تفخر بها، فانتقل الاسم من الصحيفة إلى قناة فضائية اخترقت بلا مراء جدارَ الصمت الإعلامي العربي، ولتتحول في فترة زمنية قصيرة إلى «أفيون يصعب التخلص منه»، وكما قال عنها يومًا الشيخ أحمد زكي يماني «إنه من الصعب أن أصحوَ من نومي ولا أجد قناة الجزيرة أمامي».
لذلك، لا طائل من الأصوات التي تنادي بإغلاقها، فلم يعد بيد قطر أو غيرها، إيقافها، فالأمر، كل الأمر، أصبح بيد عشاقها ومحبيها ومتابعيها، وما أكثرهم. وقد صدق أحد القادة العرب حين قال: إننا نعتب عليها كثيرًا، ويستبد بنا الغضب عليها مرارًا، ولكننا نشاهدها. وهذا هو سر النجاح في شيء قد تكرهه، أو تغضب منه، ولكنك تحترمه.
يصعب، بل يصعب جدًا، لأي دولة، عربية كانت أو إسلامية، أن تتبنى مثل هذه القناة، وتطلقها في فضاء لم يعتد مثل هذه الجرأة في الطرح والنقاش، وتتحمل تبعات برامجها وأطروحاتها، ولكن قطر تمكنت من ذلك، لسبب وحيد هو أن صاحب فكرتها مؤمن برسالتها وهدفها ونهجها، وأصبح الآن الاستغناء عنها صعبًا إن لم يكن مستحيلًا، فكانت بحق صوتًا لمن لا صوت له ومنبرًا لمن لا منبر له. لها ما لها، وعليها ما عليها، كأي عمل إنساني تتداخل فيه العواطف والميول السياسية والانتماء الوطني، والمتلقي قد تُحجب الرؤية عنه أحيانًا، إلا أنه يصعب أن يستمر ذلك، لأن شمس الحقيقة لا يمكن تغطيتها بغربال، فكانت هذه القناة «شمسًا» أضاءت سماء الدنيا في عالمنا العربي، وانتشر ضوؤها لاحقًا إلى العالم بأسره بلغات عدة، قد تحجبها الغيوم لفترة ولكنها ستسطع لفترات، لتنير الدرب لمستقبل أكثر إشراقًا وحريةً لأبناء هذه الأمة العظيمة.

العلامات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق