fbpx
المنتدى

ترامب.. حالة إنكار تحمل المفاجآت

التحيّة لقناة الجزيرة على التغطية الرائعة والمهنية

بقلم/ بابكر عيسى أحمد:

فجأةً قفز إلى ذهني عددٌ من الديكتاتوريين الصغار مثل بيونشيه في تشيلي، وجان كلود دوفالييه في هايتي، وعيدي أمين في أوغندا، والإمبراطور بوكاسا في إفريقيا الوسطى، وروبرت موجابي في زيمبابوي، والقذافي في ليبيا، وأنا أتابع حالة الإنكار التي يمارسها دونالد ترامب بعد أن اتضحت الرؤية في انتخابات الرئاسة الأمريكية بفوز جو بايدن ونائبته السيناتورة كمالا هاريس.

حالة الإنكار هذه أوجدت حالة غير مسبوقة من القلق ومن التدهور الذي يمكن أن يدفع به ترامب ويقود إلى تهور كبير حول القرارات التي يمكن أن يتخذها الرئيس المنتهية ولايته في البيت الأبيض، فمن الشائن والمخجل أن تمر بلاد مثل الولايات المتحدة بهذا المصير البائس والمخزي، حيث لا يدري أحد ما هي الخطوات التي يمكن أن يقدم عليها ترامب خلال السبعين يومًا الفاصلة بين هذه اللحظة ولحظة تنصيب الرئيس جو بايدن.

عملية الانتقال السلمي إلى السلطة من ترامب إلى بايدن مازالت تُواجه بعقبات وعراقيل واحتمالات وسيناريوهات غير محتملة في ظل حالة الإنكار الراهنة.

كلنا يعلم أن الهزيمة قاسية وأن هذه القسوة تتجلى في تراكم الأوهام وعدم احتمال توقع النتائج المحتملة والرغبة المرضية القاتلة في تصدر المشهد والاستحواذ على السلطة.

وإن كان من المستحيل على ترامب والجمهوريين تغيير ملامح المشهد بعد فوز الديمقراطيين فإن المماطلة والتسويف قد يسببان أضرارًا كبيرة لصورة الولايات المتحدة الأمريكية في الوجدان العالمي.

لعل أكثر هذه السيناريوهات سوداوية أن يتعرض الرئيس المنتخب بايدن إلى محاولة اغتيال من الجمهوريين المتعصبين لترامب. أما على الصعيد الخليجي، فإن الأخطر أن يخطو الرئيس المنتهية ولايته خطوة حمقاء بمهاجمة إيران أو أن تقوم إسرائيل بهذا العدوان قبل انتهاء ولايته وهو ما سيخلط الأوراق ويجعل حالة الإنكار كارثة حقيقية ورغم أنه لم يصدر عن طهران أي ردود فعل على هذه الاحتمالات إلا أنها مستعدة لكافة السيناريوهات وسيكون ردها مدمرًا على المنطقة.

لو كان ترامب شخصًا طبيعيًا لما ذهبت بنا الظنون إلى هذا الأفق السوداوي القاتم ولكن لا أحد يدري كيف يفكر الرجل والذين يحيطون به ومازالوا يتحدثون عن أحقيته بولاية ثانية يعلم الله وحده كيف ستكون.

الأغلبية رغم دعاوى التزوير والتنمر ما زالت في أمريكا تقتنع بنزاهة هذه الانتخابات ومن الأجدر بالرئيس أن يهيئ نفسه للانتخابات القادمة في العام 2024 رغم أنه لن يعترف بالهزيمة ولن يهنئ المنتصر.

حالة الإنكار القائمة حتى الساعة تجعل أمريكا تقف على أطراف أصابعها حتى العشرين من يناير القادم، حيث أفق الاحتمالات مشحون بكل ما هو خطير وينذر بالكثير، غير أن يقيننا أن الديمقراطية الأمريكية قادرة على تصحيح نفسها وتحصينها من أي مغامرات هوجاء وطائشة من أيٍ كان، والأخطر هو الانقسام الذي يمكن أن يعيشه ويشهده المجتمع الأمريكي المثخن بجائحة كورونا «كوفيد- 19».

سينتهي الأمر بأمريكا مع استمرار حالة الإنكار أن تخجل من أن توجه أصابع الاتهام لأي دولة حتى من دول العالم الثالث أنها لا تحترم الدستورية وإرادة الشعوب أمام صناديق الاقتراع أو اتهام أحد أنه لا يحترم الديمقراطية ولا يحترم الاقتراع كأقرب الطرق إلى الانتقال السلمي للسلطة.

والمدهش أن الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ظلت صامتة دون أن تتبنى موقفًا جماعيًا رافضًا لهذا الإنكار الفاضح، وتعالت بعض الأصوات تحذر من أن جميع محاولات ترامب لن تغير من حقيقة ما حدث، وأن بايدن هو الفائز وأن أي محاولات عكس ذلك هي محاولات عبثية لا جدوى منها.

ومثل الثور الجريح ظل ترامب يركض في كل الاتجاهات محاولًا إيقاع الأذى بكل من يقف في طريقه حتى ولو كان لتبيان الحقيقة وكان أول ضحاياه وزير الدفاع الأمريكي إسبر في منعطف بالغ الدقة والحساسية وفي مرحلة يجب أن تجنح للهدوء والتروي بعيدًا عن النكران والعنتريات.

ترامب يمثل نموذجًا جديدًا وغريبًا في كل الإدارات الأمريكية السابقة التي جعلت انتقال السلطة سلسًا وأمنًا في كل المراحل وأعتقد أن الاعتراف بالهزيمة يحتاج شجاعة يفتقر إليها ترامب الذي توهم أنه سيكون مقيمًا دائمًا في البيت الأبيض وهو وهم يشبه الجنون وتجاوز القوانين والدستور المنظم للانتخابات والانتقال السلمي للسلطة.

بمناسبة حديثي عن الانتخابات الأمريكية وحالة النكران التي جسدها ترامب لا يفوتني أن أشيد بالتغطية المهنية رفيعة المستوى التي جسدتها قناة الجزيرة خلال هذه الحملة الانتخابية، فقد سلبت الجزيرة قلوب وعقول المشاهدين في جميع العوالم التي تشاهدها، وقياسًا بالقنوات العربية مجتمعة فقد كان البون شاسعًا وكبيرًا، فقد أثبتت الجزيرة علو كعبها في هذا المجال عبر أستاذية تُحسد عليها وتبقى درسًا يتعلم منه الجميع.

والتحية والشكر والتقدير لفريق الجزيرة في العاصمة الأمريكية واشنطن والولايات المختلفة، إضافة إلى الحضور الثقافي والحضاري المتميز عبر الشاشة البلورية وتحية مماثلة للعاملين في المحطة الأم في الدوحة، إضافةً إلى الفنيين والإداريين الذين لم يبخلوا على الجزيرة بكل المعينات المادية والفنية.

لن أتورط في توجيه الشكر لأسماء بعينها ولكنني أشيد بالمهنية وروح الفريق التي انتظمت في تغطية هذه الانتخابات «الحدث»، وروعة الاستعداد والفطنة والذكاء في متابعة الأحداث، وكادر الضيوف الذين أُحسن اختيارهم ليعبروا بحق عما يحدث وعما يجري.

لا أقول ذلك لأنني عايشت الجزيرة منذ ميلادها ولا لأنني أعيش في الدوحة، حيث مقر الجزيرة ولكن بشهادة الجميع على أستاذية الجزيرة التي أصبحت مدرسة يتعلم منها الجميع. والصور الناطقة والعبارات المسؤولة هي التي تنقل الحدث بالمصداقية والإقناع لكل المشاهدين..

والتحية أولًا وأخيرًا للجزيرة.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق