fbpx
المنتدى

ثورات الجوع.. والأوبئة

في عالمنا العربيّ ثورات ربيعه التي أنتجها الجوع حظيت بتغطية عالميّة لتطابقها مع ثورات الجياع في ربيع أوروبا

بقلم / توجان فيصل (كاتبة أردنية):

هناك شبه إجماع عالمي على أن الاحتياجات البشرية للوصول للقمة العيش هي المسبب الرئيس لكل ثورات العالم التي غيّرت أوضاعه السياسية جذريًا. ولكن قلة هم من تنبهوا لدور «الأوبئة» في اندلاع تلك الثورات (باستثناء انتشار الطاعون في أوروبا في القرن الرابع عشر) التي أسست لتغيير تاريخي إقليمي أو عالمي، قد يكون كورونا أحدثها. وفي عالمنا العربي، ثورات ربيعه التي أنتجها الجوع حظيت بتغطية عالمية لتطابقها مع ثورات الجياع فيما سُمي بثورات ربيع أوروبا التي أنتجت دولًا ديمقراطية، الشعب مصدر السلطات فيها. ولكن تعثر عديد هذه الثورات العربية، ليس فقط في نظر عامة الناس والبسطاء، بل أيضًا في التفكير المبني على التمني لدى نخب حاكمة متضررة من تلك الثورات، أدى لظن أن موجة ذلك الربيع انحسرت إلى غير رجعة. هذا رغم وجود بينات تاريخية على تجدد ربيع الدول الأوروبية بعد هكذا فترات هدوء مرحلي بظن تحقق إصلاحات لم تثبت صلاحيتها.
والطمأنينة الزائفة التي رافقت انتشار كورونا عمّت خاصة الدول التي اعتمدت حظر التجول التام أو الجزئي، أو حتى إجراءات التباعد التي تقلل إن لم تلغ فرص أي تجمع شعبي لمجموعة تلتقي على فكر ومشروع حراك سياسي، لأن هذه التجمعات الأسرية قننت، وأيضًا لكون النخب القيادية التي هي دينامو الحراكات الشعبية تدرك «علميًا» وجوب التباعد لسلامتها، ما أدى لتعليق نشاطها. وهذا ما جعل السلطات الحاكمة تفترض انتهاء مرحلة التجمعات البشرية لأغراض سياسية موحدة، دونما اعتبار لتنامي الاحتياجات المادية المعيشية والمعنوية لجهة الحرية والكرامة وحقوق المواطنة التي أدت لحركات بل وثورات الربيع العربي، وليس تقلصها.
واستعمال سلطة الحكم لصلاحياته، سواء بالحجر أو بإتاحة حرية التحرك والتجمع، أدى في الدول الديمقراطية لمحاسبة الحاكم فيها. وأبرز هذا ما جرى للرئيس الأمريكي ترامب بعد إنكاره ضرورات التباعد والذي حظي بداية بتأييد وإعجاب قواعد شعبية واسعة، ولكن تبينت أخطاره التي أدت لإصابات ووفيات بين الأمريكيين من الأعلى عالميًا، تسببت بشكل رئيس في خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية، لأن القطاعات الشعبية نفسها التي لم يفعل ترامب سوى تأكيد ظنها الجاهل بعدم وجود مخاوف للوباء وقعت ضحية له بأعداد ضخمة، وأدى غياب التأمين الصحي الشامل للشرائح الفقيرة وللعاطلين عن العمل لإنكار كثيرين منهم لإصاباتهم خوفًا من الفواتير الطبية الباهظة، فقضى كثير منهم بالوباء. وبالمقابل كسب الديمقراطيون الأصوات الغاضبة المنشقة عن ترامب، عبر تبني المرشح الديمقراطي بايدن اللاحق والنفعي لبعض بنود برنامح منافسه ساندرز في شأن التأمين الصحي المرفوض سابقًا من الحزب الديمقراطي بوسم برنامجه بـ «الاشتراكية».
هذا عن أثر الوباء في تغيير نتائج انتخابات رئاسية في دولة ديمقراطية. أما في العالم الثالث غير الديمقراطي والموسوم بالفقر كصفة لغالبية سكانه (رغم الثروات المليارية الهائلة لعديد ساسته ومن يسمون رجال أعمال فيه وليس فقط لحكامه)، فإن الحجر الذي أوقف دخول قواعد واسعة تعمل بأجور يومية أو برواتب شحيحة جرى حجبها استبدادًا أو جرى السماح رسميًا بخفضها، أدى لخفض هائل في دخول هؤلاء، ما يجعل هؤلاء في حال الحيّ الميت، وبالتالي هم لا يخافون الموت. هذا إضافة لانعدام وسائل تحاشي العدوى لديهم لكلفتها العالية في بيئتهم البدائية وقياسًا على دخولهم المتناقصة.
ما لا يحسب في استسهال وجود جحافل باحثين عن عمل مؤقت أو منقوص الحقوق والدخول، بحيث يتنقل العامل بين كل من يرضون باستخدامه «المشاع» بأجور منخفضة يستحيل أن ترفق بكلفة فحوصات إصابة، ناهيك عن العلاج الذي يتقلص كمه وتتراجع سويته في ظل منافسة المقتدرين ماليًا أو سلطويًا على جيّده، هو تعميم لانتشار وباء ومضاعفة الوفيات. والأهم أن من ينجون من الوباء بعد خسائر مادية ومعنوية تصل لأرواح أعزاء مضافة لخسارة كراماتهم، يشكلون جيشًا جديدًا من الغاضبين في قسمة جديدة لطبقية ظن أنها انتهت مع ثورات أدخلت العالم عصر المواطنة، وأثر الوباء هذا في ثورات الشعوب مثبت في التاريخ، ليس فقط بحدود ما سُمي ربيع الشعوب، بل ولما قبله من ثورات أكثر عمقًا في التاريخ.

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق