fbpx
المنتدى

مأزِق الانتخابات المصرية!

النظام الحالي يسير على خطى جمال مبارك في إبعاد المعارضة تمامًا وهو ما يعتبره البعض سببًا في قيام ثورة يناير

بقلم / سليم عزوز ( كاتب وصحفي مصري) :

شغلتنا الانتخابات الأمريكية والاهتمام بتفاصيلها المثيرة، عن أن هناك انتخابات برلمانية تجري في مصر!
فقد تزامن إجراء الجولة الأولى من المرحلة الثانية لانتخابات مجلس النواب المصري، مع انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يكن هذا هو السبب الوحيد في عدم انتباهنا بإجراء الانتخابات المصرية، لأن الجولة الأولى من المرحلة الأولى جرت بالفعل، ولم تشغل سوى أطرافها، فلم يعد كثيرون لديهم استعداد لمتابعة الهزل في موضع الجد، رغم تصريحات رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات عن وصفها بالانتخابات التاريخية والنزيهة، يوشك أن يقول إنها أنزه انتخابات عرفتها البلاد! ولِم لا؟ ولم يتقدم له في هذه المرة سوى شكوى واحدة، وشكاوى المرحلة الأولى انتهى التحقيق إلى رفضها لعدم جديتها!
مثل هذه التصريحات عن النزاهة، والشفافية، ليست غريبة على المواطن المصري، فكل انتخابات تجرى هي أنزه انتخابات عرفتها مصر، وهي الانتخابات الأكثر شفافية في تاريخ الأمم، وفي هذه المرة كانت تصريحات منسوبة لمسؤولين حكوميين عن أن العالم ينظر مندهشًا لقدرة مصر على إجراء الانتخابات مع وجود تحدٍ بحجم فيروس كورونا!
وإذا كان من العبث أن نبدد الوقت في متابعة تفاصيل هذه الانتخابات، ومن العبث كذلك الكتابة عنها، فإني أعتقد من باب الضرورة، النظر إلى واحدة من تداعياتها التي لم ينتبه لها كثيرون، بما يذكرنا بانتخابات البرلمان في 2010، مع الفارق في التفاصيل!
لقد قرر القادة النافذين في الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات الأخيرة من عمر حكم الرئيس مبارك، استبعاد المعارضة تمامًا، وهو ما يعتبره البعض سببًا في قيام ثورة يناير، لأن إغلاق أبواب التغيير بأي قدر بهذا الشكل، أصاب المعارضون باليأس، فكانت الثورة، لكن مالم يؤخذ في الحسبان، أن اليأس لم يصب فقط المؤيدين، لكنه نال من الرموز التاريخية للحزب الوطني، ومن الدولة العميقة.
فالحرس الجديد بالحزب برئاسة جمال مبارك ومساعده رجل الأعمال أحمد عز، رأوا لفرض الهيمنة، أنه لابد من التخلص من الحزب القديم، من القمة إلى القاعدة، ووضعوا شروطًا فيمن يشغل المناصب العليا بالحزب في الوحدات والمحافظات، وكان من بينها الحصول على مؤهل جامعي، إيمانًا منهم أن رموز الحزب ووجهاء الريف لا ينطبق على معظمهم هذا الشرط، وكان أن انتقلت قيادة الحزب، إلى معسكر جديد، من خارج العمل السياسي، ومن خارج الإطار الطبيعي الذي حافظ عليه الرؤساء السابقين، ومن عبد الناصر، إلى السادات، إلى مبارك على مدى العشرين سنة الأولى من حكمه!
وإذ تغيرت خريطة اللعبة الانتخابية قبل هذه المرحلة بسنوات، وبعد الإشراف القضائي، مع حرص قيادة الحزب على ترشيح أشخاص من خارج الصيغة التقليدية، فقد تحدى رموزها استبعاد الحزب لهم، وخاضوا الانتخابات، ولم تتمكن قوائم الحزب من الحصول سوى على 36% في الانتخابات التي جرت في عام 2000، و33% في انتخابات سنة 2005، واضطرت قيادة الحزب حيال ذلك إلى ضم هؤلاء المستقلين، لتحقيق «الأغلبية المريحة» بحسب قول صفوت الشريف الأمين العام للحزب الحاكم، وعلى غير ما جرت عليه التقاليد في الانتخابات السابقة، فمن يترشح على غير إرادة الحزب يُحسب متمردًا، وخارجًا على الالتزام الحزبي، وهو أمر لم يكن يُغفر أبدًا، لكن المضطر يركب الصعب!
وإذ تقرر اعتماد نظرية «تقفيل اللجان» في انتخابات 2010، بعد العودة لإشراف الموظفين الحكوميين، ومنع المرشحين بقوة السلاح والبلطجة من الوصول للجان، فإن الضرر لم يقع فقط على مرشحي المعارضة بجناحيها المدني، والديني الذي يمثله الإخوان المسلمون، فقد مس المرشحين التقليديين للحزب الوطني قرْح مثله، وامتد اليأس ليشملهم دون أن ينتبه لهم أحد باعتبارهم خارج معادلة المعارضة!
وعندما قامت ثورة يناير، فإن هؤلاء المحبطين الذين ينتمون للدولة العميقة، ومن أركان حزب السلطة سابقًا لم يجدوا أنفسهم معنيين بالدفاع عن نظام لم يكتف بطردهم من جنته، وإنما أغلق في وجوههم أبواب الأمل، وفرض طائفة جديدة من خارج المنظومة السياسية، بدت غريبة على المشهد برمته، ولأنها حديثة عهد بالسياسة وأجوائها، فلم ترتب لنفسها دورًا للانتصار لنفسها، فلم تفعل شيئًا عندما خاضت الانتخابات، وتولت أجهزة الأمن مهمة إنجاحهم، فهي التي منعت الآخرين من الاقتراب من اللجان، وهي التي زورتها لهم، وعملية التزوير كان في السابق يقوم بالنصيب الأكبر فيها المرشحون أنفسهم مع مساعدة محدودة من أجهزة الأمن، ويكون دورها أكبر في بعض الدوائر مثل تلك التي يترشح فيها وزراء مثلًا.
وفي الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد حاليًا، فإن المعارضة الجادة، سواء كانت رسمية أو ثورية، لم تشارك فيها، واعتبر الجناح المؤيد للنظام القائم، أن نتيجتها معروفة مُسبقًا، ومن خاضها هم من الدائرة الضيقة المؤيدة لهذا النظام، والتي تنافس مرشحي الأجهزة الأمنية على الولاء التام، والانبطاح للسلطة الحاكمة، التي اختارت مرشحين وإن مثلوا امتدادًا لمرحلة جمال مبارك، من حيث كونها خارج الإطار السياسي بجده وهزله، فإنهم تميزوا بأنهم من أصحاب الملايين، وسمعنا عن تبرعات لحزب مستقبل وطن تتراوح بين خمسة ملايين وأربعين مليون جنيه مقابل الترشح على قوائمه، بجانب الإنفاق المُبالغ فيه، وغير المسبوق في الدعاية الانتخابية.. فمن هؤلاء القوم؟!
في البداية عندما تحدثنا عن المال السياسي وجدنا من ينفون هذا، والآن فإن الكاميرا هي من تتحدث عنه، ويتكلم مرشحون عن تفاصيله، وعندما قال مرشح محافظة بني سويف أنه دفع ثمانية ملايين تبرعًا لحزب السلطة «مستقبل وطن»، لم يجد قادة الحزب أنفسهم مطالبين بنفي ذلك، فقد أكدوه وقالوا إنهم خسروا المقعد بسببه!
وخسارة المقاعد هنا، لا تتم لصالح مرشحين لحزب معارض، ولكن لصالح حزب آخر من أحزاب السلطة، مثل «حماة وطن»، وما إلى ذلك من أحزاب الأجهزة الأمنية التي يديرها جنرالات متقاعدون!
لقد ضجت أصوات مرشحين مستقلين (شكلًا) من التزوير المكشوف الذي حدث، والذي وصل إلى الخطأ المتعمد في عملية عد الأصوات، وهو أمر من شأنه أن يجعل دائرة اليأس واسعة، فلا أمل حتى بالنسبة للمؤيدين للنظام، ما لم يكونوا من الطائفة إياها، التي يتجاوز رصيدها في البنوك الخمسة أصفار، إلى السبعة وربما إلى الثمانية أصفار!
إنه يسير على خُطى جمال مبارك!

[email protected]

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق