fbpx
المنتدى

«اتفاق الرياض» ورهان الشرعية

تنفيذ الاتفاق مع عدم جدية الوسيط يوجب على الشرعية البحث في تغيير موازين السيطرة على الأرض

بقلم / مأرب الورد (صحفي وكاتب يمني):

مضى أكثر من عام على توقيع «اتفاق الرياض» بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وبين «المجلس الانتقالي الجنوبي» المدعوم من الإمارات، ولا يزال يراوح مكانه على الرغم من تدعيمه بآلية لتسريع تنفيذه، والتي أدت لتحقيق تقدم محدود ودون المستوى.
الاتفاق الموقع في الرياض برعايتها، جاء عقب سيطرة المجلس المنادي بالانفصال على مدينة عدن جنوب البلاد وإزاحة قوات الحكومة فيما وصف حينها بأنه امتداد للانقلاب الذي بدأ مطلع ٢٠١٨ وتطور لمستوى الهيمنة على عدن التي أعلنتها الحكومة الشرعية عاصمة مؤقتة للبلاد، بجانب محافظات أخرى. من وجهة نظر العديد من المراقبين، فقد كان الاتفاق أقرب لحفظ ماء وجه الرياض التي تقود تحالفًا عربيًا لدعم سلطة الرئيس عبدربه منصور هادي، بعد اتهامات لها من مسؤولين يمنيين وشخصيات سياسية بغض الطرف عن انقلاب الانتقالي في إطار تفاهم مع حليفتها أبوظبي، ولحسابات تتعلق بتقاسم النفوذ بينهما، فضلًا على إضعاف سلطة هادي لترتيب التسوية النهائية.
وهو بهذا المعنى، كان اتفاقًا ثبّت الأمر الواقع المفروض بالقوة وشرعنة للتمرد والانقلاب يخالف أهداف التحالف المعلنة من تدخله في اليمن والتي من بينها إسقاط انقلاب ميليشيات الحوثي في العاصمة صنعاء وتمكين السلطة الشرعية من بسط نفوذها على جغرافيا البلاد.
صحيح أن هناك من يرى أن الاتفاق احتواء للصراع المسلح تحت سقف زمني يتم التحكم به حسب الحاجة والتوقيت، وفي إطار جغرافي محدد، لكن الصحيح أيضًا أن هذا الوضع لا يخدم الشرعية التي يكرر التحالف أنه جاء لدعمها، وإذا به بعد كل هذه السنوات يساهم في إضعافها ويدعم تمردًا مسلحًا وتشكيلات مسلحة خارج القوات النظامية.
وعلى المستوى السياسي، فالاتفاق منح «الانتقالي» ما كان يحلم به وهو الاعتراف به طرفًا سياسيًا مع أنه واجهة لتشكيلات مسلحة تدعمها وتتحكم بقرارها بشكل واضح الإمارات، وتوج تمرده المسلح بمكاسب سياسية تمثلت في إشراكه في الحكومة المُتوقع تشكيلها، وهذا يشرعن ما قام به ويمنحه غطاءً رسميًا لمواصلة تمرده في المستقبل، بمجرد أن يُصبح جزءًا من سلطة الشرعية.
لم تكن هناك معارضة لاستيعاب المجلس في مناصب حكومية، والعديد من قياداته كانت تشغل مواقع مهمة، لكن في إطار حوار سياسي، أما أن يتم اللجوء للقوة وفرض المطالب بالانقلاب فهذا تشجيع لكل مجموعة تحصل على السلاح للتمرد وتحقيق أهدافها. وبعد كل هذا الوقت، لم يتحقق سوى تعيين محافظ لعدن من «الانتقالي» مقابل تخليه عن إدارته مناطق سيطرته ذاتيًا، بينما لم يُسمح لمدير الأمن بمزاولة عمله، وإعادة تكليف رئيس الحكومة الحالي معين عبد الملك بتشكيلها بعد تنفيذ الطرف الآخر التزاماته وفقًا للاتفاق، وهو ما لم يحدث حتى اليوم. وفي الواقع، يمضي الانتقالي في فرض سيطرته على الأرض ومدّ نفوذه لمحافظة أرخبيل سقطرى التي سيطر عليها في الوقت الذي يُفترض تنفيذه للاتفاق بالانسحاب من المناطق التي سيطر عليها، لا أن يتمدد دون أن يقوم الوسيط بمسؤولياته بالإضافة إلى كونه مسؤولًا بحكم تحكمه في البلاد منذ تدخله في ٢٠١٥.
هذا الوضع أدى لتفاقم مشاكل البلاد وتحديدًا الاقتصادية مع استيلاء الانتقالي على موارد الحكومة في عدن وإعاقة عمل البنك المركزي اليمني في المدينة، وكل هذا انعكس في عجز الدولة عن تسليم رواتب الموظفين، وضاعف مأساة المواطنين المغلوبين على أمرهم.
هناك شبه اعتقاد مفاده أن رهان الشرعية كليًا على تنفيذ الاتفاق مع عدم جدية الوسيط في الضغط على الطرف الرافض، لم يعد مجديًا بعد مرور سنة، وفي الوقت الذي يتوسع الطرف الآخر على حسابها، ولا بد عليها أن تبحث في تغيير موازين السيطرة على الأرض لإجبار الانتقالي على التنفيذ.
وبناءً على هذه الرؤية، يخشى البعض من أن يؤدي هذا الرهان لنتيجة تجد فيها الشرعية نفسها أضعف طرف وربما ما هو أسوأ، في ظل متغيرات كثيرة لا تخدمها، مع أن من حقها فرض سيطرتها على كافة المحافظات دون انتظار الإذن من أحد، بوصفها السلطة المعترف بها دوليًا. كلما تأخر الوقت تضاءلت الفرص وقلت الخيارات إن لم تنعدم، ويصبح حينها كل موقف يتحدث عما كان يجب فعله أقرب لنداء في وادٍ، لا تسمن ولا تغني الشرعية برمتها.

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق