fbpx
المنتدى

تاريخ الفكاهة في مصر 32

نجح الكابت الساخر محمد عفيفي في خلق أفكار جديدة وساخرة ممتلئة حكمة لكي يواجه الناس أعباء وتكاليف الحياة

بقلم/ سامي كمال الدين:

الكاتب الساخر الكبير محمد عفيفي، الذي وصفه محمود السعدني بأنه برنارد شو الشرق كان لغزًا بالنسبة لي. ظللت فترة طويلة أبحث عن أسرته للتوصل إليهم والحديث عنه، لدرجة أن الدكتور أحمد خالد توفيق أرسل لي حين قرأ حديثي معهم مندهشًا بأنه ظل لسنوات يبحث عن أسرة محمد عفيفي لتأليف كتاب عنه لكنه لم يصل لأحد منهم.

اللغز الأخطر أني اكتشفت أن له بنتًا أنجبها بعد أن مات.. ضحكت زوجته السيدة اعتدال وكذلك أولاده نبيل وعلاء، وظنّا أنني أستعير روحه في السخرية، لكني كنت جادًا غير ساخر.

تكرر الموقف قبل ذلك مع الكاتبة الكبيرة سناء البيسي التي أنكرت تمامًا وجود بنت له، قالت لي أنها جاورته لسنوات عشر في مكتب واحد في دار أخبار اليوم، إذ كان يردد دائما «أنا أبو الصبيان».

القصة أنني ظللت سبعة أشهر أبحث عن تليفون أو عنوان لأسرة محمد عفيفي، حتى فوجئت بزميل لي في الأهرام- حين كنت في مصر- يقول فلانة زميلتنا هي ابنة محمد عفيفي.. ذهبت إليها لأخبرها أنه أشقاني البحث عن والدها.

قلت لها بالتأكيد أنت تحبين شجرة التمرحنة المزروعة في بيتكم في الهرم، والحيوانات الأليفة التي وصفها والدك في كتاباته.. وكانت تضحك طوال كلامي عن والدها، معجبة ومؤكدة على هذا الكلام.. وقلت لها: إنني أريد مقابلة والدتك وإخوتك لتتحدثوا معي عن والدكم، رفضت الأمر بحجة أن لها مشاكل على الميراث مع إخوتها، ليتضح فيما بعد أنها ليست ابنة محمد عفيفي ولا علاقة لها به من قريب أو بعيد.

حكت لي السيدة هناء حفيدة قارئ القرآن الشهير محمد رفعت أن هناك عددًا كبيرًا من النصابين ادّعوا أنهم أحفاد الشيخ محمد رفعت، ومررنا معهم بمواقف وصلت إلى البوليس.

سألتني زوجة محمد عفيفي عن عمر الفتاة فقلت لها في حوالي الثلاثين.. قالت لي أن زوجها قضى آخر خمس سنوات من عمره راقدًا في السرير مصابًا بالسرطان.. وهذا يعني أنه خلفها بعد أن مات رحمه الله!.

ولد محمد عفيفي بقرية الزوامل القريبة من أنشاص مركز بلبيس محافظة الشرقية، لكنه انتقل مع أسرته إلى القاهرة، حيث أمضى كافة مراحله الدراسية فيها حتى حصل على ليسانس الحقوق عام 1942، وحصل على دبلوم الصحافة، وأصدر مجلة «القصة» عام 1944 التي لم تعمّر كثيرًا.

كان محمد عفيفي يحلم بالكتابة، ولكن بطريقة مختلفة وجديدة، واستطاع ذلك إلى حد كبير.. بدأ رحلته الصحفية مع كاتب مثله يسعى إلى التميّز وجمال الأسلوب ورشاقته وقوته وهو أستاذ الصحافة محمد التابعي، وذلك بمجلة «آخر ساعة» في منتصف الأربعينيات، حيث قرأ عفيفي حملة إعلانات مكثفة عن تجديد آخر ساعة.. وكان محمد التابعي كشاف مواهب، فهو الذي اكتشف مصطفى أمين و علي أمين و محمد حسنين هيكل، لذا أدرك موهبة محمد عفيفي فكلفه في البداية بتقديم أفكار لصور الكاريكاتير التي كان يرسمها صاروخان، ونجح عفيفي في خلق أفكار جديدة وساخرة، لكنها سخرية ممتلئة حكمة لكي يواجه الناس أعباء وتكاليف الحياة التي يعيشونها.. وتميزت آخر ساعة بباب يكتبه محمد عفيفي تحت عنوان «ابتسم من فضلك» وباب «يوميات آخر ساعة» منذ عام 1945، وحقق باب «ابتسم من فضلك» مجدًا وانتشارًا لا يحلم به أي كاتب.. كان يكتب هذا الباب في صفحة كاملة بمشاركة ريشة مصطفى حسين.. وعام 1962 حرر باب «هذا وذاك».. كما عمل في مجلة «اضحك» التي تصدر عن دار «مسامرات الجيب» عام 1945، التي انطلق قلمه فيها متجاوزًا كل الحدود، وكأنه حصان عربي أصيل وجد أمامه صحراء شاسعة تحفزه على الجري.

قبل ثورة 23 يوليو 1952 بعامين تزوج في نفس يوم ميلاده، وأنجب ثلاثة أولاد: عادل ويعمل طبيبًا ونبيل ويعمل مهندسًا مدنيًا، وعلاء ويعمل مديرًا عامًا بالشؤون القانونية.

وعن سر اتجاهه إلى الكتابة الساخرة كتب عفيفي «كثيرًا ما تساءلت -وسُئلت- عن السبب الذي من أجله أميل إلى السخرية، ولماذا لا أعيش مثل غيري من الناس في الرضا بما حولي من المسلّمات، وادعًا هادئًا مطمئنًا في الظلال الوارفة لشجرة الإجابات الجاهزة، وبشيء من التفكير وجدت أن هذا المزاج الساخر القلق كان شيئًا لا مفر منه، وكان نوعًا من رد الفعل الطبيعي لسنوات طفولتي وشبابي، تلك السنوات التي قضيتها، وأنا أكثر الناس هدوءًا واطمئنانًا ورضا بما حولي من المسلّمات والإجابات الجاهزة.

هكذا كان تقبّلي لكل ما يساق إليّ من المسلمات: كل شيء جميل وليس في الإمكان أبدع مما كان. وإلى الأبد كان يمكن أن أحيا على هذه الصورة، إذ كان يمكن لهذه الصورة أن تسمى حياة.

كان يجب أن استخدم عقلي وأجد القدرة على أن أنفصل عن نفسي لكي أنظر إليها من بعيد، نظرة رثاء لذلك الفتى التعيس الذي تآمرت على إفساده قوى الجهل والنفاق، ذلك الثور الجالس يجتر غداء طفولته تحت شجرة الإجابات الجاهزة».

إعلامي مصري

@samykamaleldeen

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق