fbpx
المنتدى

حتى لا يصبح السلام مجرد أناشيد وأغانٍ

وحدة القوى الثورية هي الضامن الأوحد لتحقيق الاستقرار

بقلم/ بابكر عيسى أحمد:

كنت وما زلت دائم القول إن المراحل الانتقالية في مختلف المراحل العالمية بصورة عامة والسودان على وجه الخصوص بالغة الهشاشة، ومشحونة بالاحتمالات والمفاجآت التي قد لا تكون مرغوبة في الكثير من الأحيان، وهو ما يستوجب أن يتنامى الوعي بكل المخاطر الممكنة والمحتملة حتى اكتمال المرحلة الانتقالية بهدوء وسلاسة حتى يتحقق الانتقال السلمي للسلطة عبر انتخابات تتسم بالشفافية ويشهد عليها العالم لتؤسس لمرحلة جديدة تبدأ بإعادة بناء السودان الجديد الذي يحلم به أهله والذي يتجاوز، بما حباه الله به من ثروات كبيرة، عتبة الفاقة والفقر إلى مراحل الاعتماد على النفس وبناء حاضر يفخر به أهله.

تلك النتائج الباهرة تحتاج منا إلى مزيد من الوعي والتوحد ونبذ الفرقة والتنافر والتحوط من كل مفاجآت الآتي وهي كثيرة في أفق مملوء بالاحتمالات.

توق أهل السودان لتحقيق السلام من كل ربوع البلاد تجسد فيما شهدته ساحة الحرية في الخرطوم يوم الأحد الخامس عشر من نوفمبر، وما حدث وشهد عليه العالم لم يكن فقط حدثًا استثنائيًا بل كان كرنفالًا للفرح ولحظة فارقة تجسد ذلك التوق نحو سلام شامل ومستدام، وهو سلام يتطلع إليه الجميع ليطوي سنوات الحروب العبثية ومعاناة اللجوء والنزوح في المعسكرات البئيسة بعد أن أحرقت القرى وارتكبت المجازر.

والسلام، كما قلت في مقالات سابقة وأعيد تكرارة اليوم، ليس شعارًا فضفاضًا يرفع في الساحات وسط الأهازيج والأغاني، وإنما هو توق لملايين من البشر جسدت بحضورها الباهر رغم مخاطر «كوفيد – 19» صورة الرغبة الصادقة في أن تستقيم الحياة في صورة طبيعية بعيدًا عن الحروب وعذاباتها وويلاتها الأليمة.

والسلام ليس فقط أماني وكلمات تدغدغ المشاعر وتلهب الوجدان وإنما هو التزام وإرادة يجب أن تترجم على الأرض ويعيشها الناس حقيقة شاخصة في وجدانهم وفي حياتهم وواقعهم.

الملايين التي تدافعت من كل حدب وصوب إلى ساحة الحرية سجلت بحضورها شهادة حية وناطقة ومرحبة بشركاء السلام وصناع السلام وقادة الحركات المسلحة الذين يجدون أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية أن يساهموا بمنتهى التجرد في تحقيق الانتقال إلى دولة مدنية قوامها العدل والحرية والمساواة.

على تلك القيادات التي قدمت إلى ساحة الحرية أن تتوحد رؤاها نحو هدف واحد هو بناء السودان الجديد بعيدًا عن الإقصاء والمحاصصة وأن تنبذ العنصرية وتبتعد عن الازدراء وشطب الآخر، وألا يبقى كل ذلك مجرد أمنيات وأمانٍ يبددها الواقع المحتقن بالكراهية والأحقاد وازدراء الآخر.

السودان وطن عظيم يتسع لجميع أبنائه على مختلف عقائدهم وطوائفهم وإثنياتهم، وهو وطن يجب أن يُبنى على التعايش السلمي والقبول بالآخر حتى ينهض وطنًا قويًا وشامخًا نعتز ونفخر به.

كل الذين اغتربوا عن تراب الوطن سيعودون ذات يوم فهم متعلقون بكل ذرة من ذرات تراب الوطن الحبيب، سيعودون ليغرسوا مع النساء الباسلات والرجال الأشداء غرسة للأمل سيستظل بها الجميع في وطن «حدادي مدادي ما بنيه فرادي» كما يقول الرائع محجوب شريف طيب الله ثراه.

والوطن كما يقول الراحل محمود درويش «أن أحتسي قهوة أمي وأن أعود في المساء» وحتمًا سيعود كل الذين بعثرتهم سنوات الإنقاذ البغيضة ذات مساء ليتشاركوا الفرح ويواصلوا مسيرة التنمية والبناء واستكمال وطن الحرية والسلام والعدالة.

سلام جوبا ليس سلامًا هينًا ولا سهلًا ويحتاج إلى إرادة الرجال وعزيمة النساء، ونحن نعلم أن هناك ثقوبًا عديدة في تلك الاتفاقية التي تحتاج حكمة الحكماء وتغليب مصلحة السودان الوطن الواحد الموحد وألا يُستثنى أحد من مسيرة السلام ولا تنطلق رصاصة إلا حماية للأرض والعرض.

لعل فرحة أصحاب المصلحة في السلام من النازحين واللاجئين أكبر من فرحتنا وإن كان السودان بأسره يفرح بالسلام لأنه يفتح صفحة بيضاء ومشرقة.

التحية للشهداء الذين قدموا أرواحهم فداءً لثورة الخلاص، ثورة الحرية والسلام والعدالة، والتمنيات للجرحى بعاجل الشفاء، وللمفقودين بسلامة العودة إلى أهلهم وذويهم، وأن يجنب الله الوطن المشاكسات والمؤامرات التي لا تريد خيرًا للوطن وأهله.

وما زلنا على يقين أن المخاطر الحقيقية ما زالت قائمة وماثلة في أفق حياتنا، وعلينا أن نتوحد وأن نتوافق وأن نسعى إلى توحيد قوانا الثورية التي هي الضامن الوحيد لمواجهة تحديات المرحلة وهي كثيرة ومتعاظمة ولا تستهدف فريقًا ضد آخر وإنما تستهدف الوطن في تطلعاته المشروعة وفي ترجمة آماله في إقامة حكم مدني يكون محميًا بقوى الثورة الحية، وأي خلاف أو تباعد بين تلك القوى يعتبر خصمًا من رصيد الثورة ومسارها.

ومن الأهمية بمكان أن تتحقق العدالة في هذا المنعطف وأن يُقدم الجناة إلى المحاكم الدولية وأن يعمل القضاء السوداني على الإسراع للفراغ من القضايا العالقة وهي كثيرة، لعل في صدارتها مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة واستجلاب الهاربين للعدالة.

إن ثورة ديسمبر هي ثورة الوعي، وإن يقظة الشباب وتوحد القوى الثورية هما الضامن الأوحد لبقاء توهج الثورة والسير بثقة نحو تحقيق أهدافها في الحرية والسلام والعدالة.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق