fbpx
كتاب الراية

عن شيء ما ..بين العبقرية والجنون

الجنون غير الرسمي هو عالم بنكهة الجنون ليس إلا

رغم بوادر الجنون والهذيان التي وُصِمَت بها شخصيات شهيرة وعبقرية مرّت في التاريخ الإنساني، بدايةً من اتهام سُقراط بالجنون مرورًا بألتوسير وبلزاك وروسو وبودلير وحتى الشاعر الفرنسي آرثر رامبو وفلوبير، بل وشخصيات سياسية كالقائد معمر القذافي الذي نجح في قيادة الملايين لمدة 40 عامًا أو هتلر الذي أرعب العالم!.

فهل هم عباقرة مجانين أو مجانين عباقرة!، وأي نوع من أنواع الجنون هو؟.

أنواع الجنون التي تطرّقت إليها الكُتب والدراسات كثيرة بدءًا من الأحمق ثم الأخرق ثم الرقيع وننتقل إلى الجنون الأصيل حيث المعتوه والممسوس ثم المخبول ..إلخ.. لكن، أي من الكُتب لم يتناول الجنون غير الرسمي المُتداول بين الناس، هذا النوع الذي ربما يدخل فيه بعضنا دائرة الجنون وبشهادة فخرية. عادة ما نشير إليه بعبارة (الجنون فنون) ونغمز ونلمز إلى العلاقة الوثيقة التي تربط الفن بتوأمه الجنون، رغم أن الحياة بلا فن هي لوحة لا ذوق فيها أو جمالًا، لوحة عادية، أما غير العادي فهو ما يسترسل في اللا معقول، ومثل هذا الجنون في الحياة يصنع المُعجزات، مُعجزاتنا التي تشبهنا طبعًا فهي إما جيدة أو سيئة، عملًا بالمثل القائل (الإناء ينضح بما فيه).. ولأن الكمال لله وحده فلا تعجبوا إذا ما لاحظتم بوادر لوثة في عقل عالم عبقري، أو مسحة جنون في شخصية فنان، أو بوادر عصاب وكآبة لدى عاشق ولهان، أو حتى مُمارسات تدخل في إطار الغرابة لدى شاعر أو فيلسوف.

لكن لماذا؟.

أجاب على هذا السؤال الكاتب الفرنسي (أندريه موروا) حين قال: الأصح أن نقول إن جميعهم كانوا سيصيرون عصابيين لولا أنهم أصبحوا روائيين وفنانين فالعصاب هو الذي يصنع الفنان والفن هو الذي يشفيه.

رغم هذا فإن (المُتهم بريء حتى تثبت إدانته)، والفلاسفة والشعراء والفنانون والعلماء مُتهمون بأنهم سوداويون ويعيشون خارج حدود الزمن والوجود. بل أن معظمهم يُفضّلون الوحدة ولا يُنجبون الأطفال، فمؤلفاتهم هي أطفالهم!،

عاداتهم عجيبة غريبة تختلف عن عادات البشر، هذا إضافة إلى الحساسية والقلق والتطرف، كلها صفات تقرّبهم إلى الجنون، وهم أعقلنا وأكثرنا حكمة وذكاء!.

الجنون غير الرسمي، هو عالم بنكهة الجنون ليس إلا.. هناك على مقربة من الشعرة الرقيقة التي تفصل بين العبقرية والجنون.

إلى هذا العالم كان ينتمي أديسون مُخترع المصباح الكهربائي، وهو ذاته من كان ينسى اسمه أو ينسى أن يتناول طعامه ظنًا منه أنه قد تناوله!.

أما مجنون ليلى (قيس بن الملوح)، الشاعر الذي كتب أجمل القصائد، فهو ذاته المجنون الذي هام على وجهه كالأبله يُناجي ليلاه!.

في عالمنا العربي لا يجرؤ كاتب على أن يعترف أو يفخر بجنونه، إذ ما زالت هذه التُهمة تشكّل نوعًا من (التابو) في ثقافتنا العربية، لكنه شائع ومُعترف به لدى الكتّاب الغربيين، بل لم يعد يُثير أية حساسية تُذكر. على الشعراء تحديدًا أن يكونوا مُمتنين لجنونهم وغرابة أطوارهم، ذلك لأن جنون الإنسان يُهلك شعبًا بأكمله، أما جنون الشاعر فينهض بالأمة بأدبه وشعره.

[email protected]

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق