fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. حتى متى أيها الوباء؟

لا أدري كيف يحاول البشر تدمير أنفسهم والقضاء على أكبر عدد ممكن من الأرواح فقط لتخلو الأرض لهم وحدهم

كانت تحط رحالها في البداية، في أقصى الشرق للكرة الأرضية، لأمة من البشر، يفوق تعدادها المليار نسمة، فحصدت من حصدت من الأرواح، وأصابت من أصابت من هؤلاء البشر.

ولم تكتف بذلك، بل هبت رياحها الموبوءة، حاملة أقسى العلل، لتنثرها في كل مكان، حتى إنها اجتاحت العالم كله..

عبرت المحيطات والصحارى والجبال، والوديان، وهي تحمل منجلها في يدها، تحصد يمينًا وشمالًا دون إحساس أو شفقة.

لا أدري كيف يحاول البشر تدمير أنفسهم، والقضاء على أكبر عدد ممكن من الأرواح، فقط لتخلو الأرض لهم وحدهم، لا يشاركهم فيها أحد، ولا يهنأ بنعيمها وخيرها غيرهم.

ألا يكتفون بكل المآسي التي تحل على الكثير من الأمم، من فيضانات وأعاصير، وبراكين، وغرق، وحوادث طائرات محزنة، وكوارث الأمواج، والمجازر البشرية، التي لا تزال تنحر رقاب البشر دون أن تفرق بين صغير وكبير، أو غني وفقير.

هل لهؤلاء البشر ضمائر حاضرة، تعدد لهم جناياتهم، وتحاسبهم عليها، كما المؤمن الصالح، الذي لا يتورع بمد يده أو لسانه، ليضر مخلوقًا حيًا، يشعر ويحس، وينبض قلبه، ويتنفس..؟ لقد أصبحت المادة هي المعبود الذي يسجد له الملايين من البشر، ويحافظون عليه بقلوبهم، ويتنافسون في زيادته وارتفاع أرقامه إلى الأعلى والأعلى.. ؟

لقد أصبح الفرد يبتاع كل شي يحتاجه بالمال، ووصل الأمر إلى المياه التي عُبئت وتباع في كل العالم، رغم مساحات المياه الهائلة التي تحتل أجزاء كبيرة من الكرة الأرضية..

والآن، في أزمة الكورونا، وتسببها بضيق الأنفاس لدى المصابين، أصبح الهواء أيضًا للبيع.. لم يبق هناك شيء على الأرض لم يستفيدوا منه ماديًا..

تم بيع الإنسان من القديم -وللأسف لا يزال- تم بيع الدواء، والماء، والاستراحة، ومجالات التنفس وقضاء الإجازات، والضمائر الفاسدة، والأوطان.. فما الذي بقي بعد ذلك..

للأسف ابتلينا بهجوم الكورونا الموبوءة على بلادنا، ونحمد الله أن بلادنا قد بدأت الاستعدادات لحصر المصابين وعزلهم، ثم رعايتهم والعمل على علاجهم، رغم عدم وجود الأمصال المضادة لهذا الفيروس..

أصحبت شوارعنا هادئة جدًا، ومهجورة، فالجميع في البيوت، قابعون في رعاية الله وحفظه، ينتظرون بفارغ الصبر انجلاء هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن.

في البيوت، كل أسرة أغلقت أبوابها، لا زيارات، لا استقبالات، لا ولائم، لا أفراح، فقط الأسرة وحدها ببنيها وبناتها والوالدين ومن يعيش معهم في نفس البيت.

الوقت طويل، والنهار ممل لبعض الناس، رغم أن الطلاب انصرفوا إلى الكومبيوتر، ليكملوا الفصول الدراسية عن بُعد.

قبل العودة للمدارس بجداول جديدة، وزيادة في الحذر والحيطة.

بعض الأمهات بدأن مرحلة الجرد لكل محتويات الخزائن والأدراج والمخازن والمطابخ.. فالفراغ قاتل حقًا، خاصة لمن لا يمتلك هواية مفيدة يستمتع بها في أوقات الفراغ الطويلة.

ورغم ذلك فإن المجمعات الغذائية المفتوحة ليلًا ونهارًا، ترزح تحت خطب الجموع التي تتوافد عليها في كل ساعات النهار والليل، للتزود بالمؤن المطلوبة للأسرة، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فالخوف والرعب الذي تلبس الكثير من البشر، دفعهم إلى الشراء والشراء مضاعفة مرة ومرات، للطوارئ، التي يعتقدون بها، من عدم توفر الاحتياجات الغذائية في الفترة الآتية.

أحيانًا نحاول الضحك وانتقاد «مرض التخزين» الذي تفشى بيننا، وأعتقد أنه أشد وطئًا من الفيروس القادم إلينا من البعيد.

لكن الأمر ليس مضحكًا، إنه الهلع، قبل حدوث المصاب، والذي ينتقل أحيانًا من بيت لبيت، دون ملامسة، أو عدوى، أو تجمعات مرفوضة.

إنه حدسٌ مرضيّ، يجعل الفرد متوترًا، قلقًا طول الوقت، خوفًا من انتهاء المخزون لديه قبل انتهاء الأزمة.

طال الحظر والحجر أيها الوباء، فمتى تنوي الرحيل عنّا، عن بلادنا، ومجتمعنا، وبيوتنا؟ متى تعلن انسحابك من دورنا وعياداتنا، لنفتح جميعًا باب الأمان، وباب الحصانة الدائمة، وأبواب الحياة من جديد….؟؟

[email protected]

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق