fbpx
كتاب الراية

خواطر.. خطوط حمراء

الصداقة هي العلاقة التي تنتعش بالمساندة على الحقّ وتفسد بالاستحواذ والهيمنة

عادةً ما يُغني الأدب وقلّة الفضول عن ألف سؤالٍ ممن يصغي بعينيه وجوارحه دون تعليق أو تأنيب إلى أن يتجسد المشهد بكل جوانبه.. لا له فحسب بل للراوي الذي يبحث عن ذاته بين طيّات السرد.

ينعم أحدهم بهالة من الودّ والحكمة تُلقي التحية والسلام لمجالسته، يحيط الجميع بالاهتمام والاحتواء، فيكون قُطبًا يجذب الأصدقاء للحديث والفضفضة بلا استفزاز، فيرتقي بهم عن خيبات الأمل، ويغادرونه بارتياح وتفاؤل بعد أن يطغى دخان البخور على ما تناثر من الأفواه في حضرة الأسرار.

وكثيرًا ما يردد البعض بقناعةٍ جملة (نحن لم نتغير لكن الناس تغيرّت)، لأنهم لم ينضجوا بالتوازي مع تقدمهم بالسّن، كما أنهم توقفوا عند عُمر مُعيّن عن استيعاب اختلاف المسؤوليات ضمن أدوارهم المرحلية في الأسرة والمجتمع، فلم تتغير أحاديثهم وفقدوا مرونتهم في التأقلم مع ذويهم حتى أصبحوا خارج نطاق دائرة التواصل، واكتفوا بالانزواء في ظل أقوال مأثورة تتحسّر على الماضي وتعاتب الحاضر وتخشى المستقبل!

ويبرز ذلك حين نلتقي بأصدقاء الطفولة الذين جمعتنا بهم ذكريات جميلة، فنتفاجأ أن بعضهم لا زال في نفس الخانة وبنفس التفكير ولم يكتسب خلال عشرات السنين خبرة تُذكر، وعادة ما يكون اللقاء الأول مرحًا ومفعمًا بالذكريات، لكننا نجد أنفسنا مضطرين للانسحاب بخيبة الملل، فما كان يُبهرنا ويحظى باهتمامنا سابقًا لم يعد ذا قيمة بعد التزامنا بما هو أولى بوقتنا وجهدنا!

الانسحاب من العلاقات سواء كانت في بدايتها أو بعد فترة وجيزة، ليس أمرًا سيئا بل هو تصرف صادق يختصر ما نحن في غنى عنه من مجاملات وضغوطات، وهو حقنا في الاختيار أو الرفض بلا تبرير.

من المعروف أن كرم الأخلاق والحضور الإيجابي الفاعل للصحبة الصالحة في الصعاب يُولّد لدى الطرف الآخر المحبة والولاء، لكنه قد يوسّع لديه دائرة الأمل بلا حدود منطقية، وهذا ليس عيبًا في الشخصية المعطاءة بقدر ما هو مساحة رحبة تتيح مجالًا للتجاوز بشكل يُعكّر صفو العلاقة، لأن أدب التغاضي عن التجاوزات قد يُفسر بالتمسك بالعلاقة وعدم الاستغناء عن الآخر، مما يُكوّن لديه شعورًا بالاستحقاق لدرجة إشعار أصدقائه بالذنب كلّما حاولوا المحافظة على الحدود الشخصية.

تربيّنا على مبدأ التمس لأخيك سبعين عذرًا فلا أحد يعلم حقيقة ظروف الآخرين وما تغيّر في حياتهم، لكننا نعلم أن دوام الحال من المُحال، ولكل منا اعتباراته الخاصة وطريقته في الأخذ والعطاء ضمن أولوياته في الحياة ولا جدال فيما يتعلق بالمسؤوليات، لذا كثيرًا ما نلتزم الحياد إذا اختلف صديقان، ولا نحكم عليهما بل بينهما، واضعين أنفسنا مكان كل منهما ضمن خبرتنا بالطرفين.

وبشكل عام من الصعب الاستمرار بما تربيّنا عليه من الاحترام بحجة الاكتفاء بلقب عاقل في مداراة السفهاء لأن ذلك سيؤدي للجنون، مللنا من فلان أكبر منك عيب، وهذا صغير لازم تحتويه، وهذا عصبي استحمله وذاك حساس انتبه.. أين الخطوط الحمراء التي يجب ألا يتخطاها الجميع؟ العمر قصير ونحن نكبر وقدرتنا على التحمل تقل خاصة مع الذين لا يهمهم سوى أنفسهم ويظنون أنهم دائمًا على حق.

أما الصداقة فهي العلاقة التي تنتعش بالمساندة على الحق وتفسد بالاستحواذ والهيمنة، الصّديق الحقيقي هو الذي ينصحك دون أن يجرحك، ويعينك على الخلاص من المآزق وهو يعلم أنك أوقعت نفسك بها ضاربًا برأيه عرض الحائط.

«الاستحواذ على دور البطولة في مسرح الحياة يُبقي البطل وحيدًا في نهاية الرواية» .

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق