fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر .. لماذا لا يُرادُ لنا الخَير؟

«العلم» و«التعليم» الطريق الآمن للنهضة لأنهما سبيلنا إلى التقدم واللحاق بالأمم الأخرى

من أهم الإشكاليات التي تُعيق تَطورنا في كثير من المجالات، سَلبُ الأجيال من إمكانية «الإنتاج الفِكري». وبهذا السَلب لن يتمكن الإنسان أن يصبح طرفًا في تغيير واقعه وواقع مجتمعه.. أو أن يخلق قِيمَه وفنونَه وآراءَه التاريخية والاجتماعية ويحفظ معتقداتِه. ولن يتمكن من بناء قاعدته الصناعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ولن يَصل إلى الاستقلال السياسي.

كان مَطلب وخطط المُستعمر دومًا هو تدمير القواعد الأساسية الإنسانية والثقافية في مُجتمعاتنا، لتمكين السيطرة على الشعوب العربية والوطن العربي. فهذه القواعد والمرتكزات، هي التي تمنحنا الاستقلالية، وتكسر روابط الخنوع والتبعية للغرب، في السياسة والاقتصاد وفي النُظم الاجتماعية والتعليمية. والحق، أن ما نبنيه من القواعد والبنى المادية، لن يمنحنا الاستقلال الحقيقي، والوقوف في وجه الآخر. فهو لا يفهم إلا لغة الندية والقوة في الفكر والثقافة والعلم، قبل الماديات والتقنيات. ولا يمكن الصمود في وجهه من مَوقع المُتلَقي، المهزوم فكريًا، المُنكسر نَفسيًا، المُحَطم وجدانيًا، المُتَخلف عِلميًا، والمفلس حَضاريًا.

وبالنظر إلى طبيعة العلاقة بيننا وبينهم، نجدها بعيدة عن الأفقية المُستَطرقة. فهي بلا أثر وتأثير متبادل من الطرفين.. وعلى النقيض في القوة والمكانة والأخذ والعطاء. إنما هي علاقة رأسية بين قمة وقاع، تفصلهما هُوة شاسعة.. وتجاذب في اتجاه أحادي.

وهي علاقة امتصاص القوي للضعيف، وذوبان الضعيف في القوي. نتيجته ضياع شخصيتنا وأصالتنا الذاتية ومحو وجودنا.. فتصبح عندها علاقة خيانة لتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. ولن نبلغ الصحوة واليقظة من هذه الحالة المُخدرة التي أدخلتنا في سُبات عميق لما يزيد عن القرنين.. إلاّ بالاستيقاظ برؤية مختلفة وعَقلية واعية، وإدراك لضخامة وجَسارة المشكلة. وأن الارتهان إلى الغرب والدخول في دائرته من موقع الضعف، يعني خسارة وجودية حقيقية. والغرب عقليته مُستعمِرة ولم يتغير.. وإنما تَغير جِلده، ونوع طُعمه، وأدوات صيده.. لكن بَقي المستعمِر كما هو.. والضحية هي الضحية.. والمَطلب ثابت.. لم يتغير، وهو أن يقوم هذا الغربي بإفراغ محتوانا الإنساني والفكري وحضورنا التاريخي، وقتل الشخصية الخَلاقة.. وبقائنا من قمم رؤوسنا إلى بطون أقدامنا.. أفواهًا مفتوحة، ومعدة جائعة، وجيوبًا مَنهوبة من أجلِ مُنتجاتهم الاستهلاكية.. فتخرج أموالنا إلى أسواقهم، لتعود مزيدًا من المنتجات والسلع الكمالية، وتكتمل حلقة الأسر، ونَبقى رَهنًا لشهواتنا ورغباتنا المُزيفة.. ونبقى معلقين في آخر السنارة، تُحركها أياديهم التآمرية، التي تُخرج السمكة إلى الهواء تارة وتعيدها إلى الماء تارةً أخرى لتتنفس قليلًا.. لكن تظل بين الحياة والموت..

ومُخدوعٌ من لا يرى، أن أيادي الغرب تتدخل في شؤوننا، لكي تثير الصعوبات وتقتل حريتنا. فهذا الغرب على يقين وإيمان مطلق بأن الحرية إن أعطيت.. فهي تُحيي أمة مَيتة، وتبعث فيها وَعيًا سياسيًا، ونُضجًا اجتماعيًا، وحركة فكرية، وإحساسًا بالمسؤولية، وكفاحًا، وتَضحية، وَتَطلعًا، ونَظرة تَقَدمية.

وهو، يُدرك اليوم كما أدركَ في الماضي عَظمة الشعوب التي تتطلع للحياة، كما الصين.. فتآمر على إبقائه مريضًا، فأغرقه بالأفيون.. ليستغرق في نومٍ عميق.. لكنهُ أخيرًا تَيَقنَ للخدعة.. فاستفاق.. وخرج من قُمقمه ماردًا مخيفًا مرعبًا.

واليوم.. لا يُريد الغرب أن نستنشق نحنُ إكسير حُرية، فيها خَلاصُ مُجتمع أسير.. وَتَقدم دولة.. وَنهضةُ أمة.. وخطوات لبناء حضارة إنسانية جديدة… وما طريق خلاصنا إلّا، الأخذ «بالعلم» «والتعليم»، كما أخذت به الصين واليابان وكوريا وأمم شرقية أخرى.

فما زال طريق «العلم» و «التعليم» هو الطريق الآمن للنهضة – بشرط مغادرة الماضي في جزئه المكبل لتقدمنا – لأنهما سبيلنا إلى التقدم واللحاق بالأمم الأخرى.. وتحديدًا الغرب والوقوف أمامه بندية، ومن مَوقع القوة.

وَلعلَ أول من رأى أن طريق الاستقلال هو في الأخذ بسلاح «النديّة» و»العلم»، هو الأمير «شكيب أرسلان» حيث أشار في محاضرته، بعنوان «النهضة العربية في العصر الحاضر»، التي ألقيت في دار المجمع العلمي العربي، بدمشق بتاريخ تشرين الأول عام ١٩٣٧م، وذلك في مَعرض حديثه عن محمد علي الكبير مؤسس النهضة: «… وجعل نصب عينه، حُدَيًا الغرب في أساليبه الجديدة، حتى يتأتى للشرق أن يقاتل الغرب بسلاحه ويدفعهُ عنه ويستقل بنفسه».

وَصفة سحرية.. كُتبت في القرن الماضي.. ولم يَصرفها العَرب لهذا التاريخ!.

twitter:@DrIbrahim60

[email protected]mail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق