fbpx
كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. عصر التصوير

بأسلوبه الجميل المهذب الراقي.. محملًا الجميع المسؤولية في مهمته التي عاش ومات من أجلها يقول للجميع: «لا عذر لكم»

من أهم سمات العصر الحالي توثيق الصورة، ساعد على ذلك الكاميرات الموجودة في الهواتف ورخص أثمانها، سهولة نقل الصورة من خلال البرامج الكثيرة حيث تنتقل الأفلام من شخص لشخص قبل أن يرتد طرفهما، كل شيء يمكن توثيقه وإرساله بغض النظر عن جودة التصوير أو رداءته.

أصبح اليوم تسجيل اللحظة مقدمًا على اللقاء، ينشغل الجميع بإرسال صور المكان أو الطعام وبعد نهاية الاجتماع ينسون أمرًا هامًا وهو الاسترسال بالحديث مع بعضهم بعضًا.

(هذه المنطقة يمنع فيها التصوير) سقطت تلك اللافتات ولم تعد موجودة، ليس بعوامل الزمن ولكن لقناعة المحذرين استحالة تطبيق تحذيرهم في عصر التقنية، وسارعت الحكومات لكبح جماح طبائع البشر المائلة للفضول بسنّ القوانين والتي تحذر من نقل لقطات تُنتهك فيها خصوصية الآخرين، أصبحت الخصوصية على المحك في هذا الزمن، في الواقع لا يمكن احتواء الأمر، ولكن السؤال عن تأثير تلك الصور أو لنقل مساهمتها في تغيير الأحداث؟.

في الأسبوع الماضي شاهدت عبر منصة إخبارية شهيرة تصويرًا رديئًا ولكنه واضح، لمركب تهريب لمهاجرين تعرضوا لعاصفة وسقط طفل رضيع من يد أمه في البحر، المنظر حزين ويقطع نياط القلب، المرأة تصيح باكية بحرقة وبجنون أين طفلي؟ أين طفلي؟، تحاول بشتى الطرق أن تجد طفلها في بحر متلاطم، الغريب حالة البرود والسكون لبقية الركاب وكأن الموت حدث بسيط أو أنهم في حالة تتجاوز بشاعة الموت بكثير، وقد يكون أحد الركاب ال ٢٠٠ في القارب الصغير نظر لهذا الطفل ذي الستة أشهر بأنه محظوظ لمغادرة دنيا بدأها بوجوده مهاجرًا ضمن قارب يقطع بحرًا محفوفًا بالمخاطر، رغم التصوير الرديء، الحادث سلط الضوء على رحلة الموت الحزينة للمهاجرين.

للصور قصص كثيرة لا يمكن عدّها، في الحرب الفيتنامية خرجت صورة الطفلة «كيم فوك» ذات الأعوام التسعة، وهي تجري عارية هربًا من هول المعارك، انتشرت اللقطة انتشار النار في الهشيم من خلال الصحف العالمية، يقال إن هذه الصورة ساهمت في وقف تلك الحرب البشعة والتي كلفت مئات الآلاف من الضحايا، رغم كل المحاولات والجهود، صورة واحدة غيرت اتجاه حرب مدمّرة.

لن تغادر ذاكرتي صورة الطفل السوري «عمران دقنيش» ذي الستة أعوام الذي خرج بأعجوبة من تحت ركام منزله حيًا بعد سقوط برميل متفجر عليه، غرابة تلك الصورة سكون الطفل وهدوؤه رغم فداحة ما حدث له، خيل للناظر بثباته أنه لم يخرج من بين أنياب الموت للتو، تصدرت تلك الصورة نشرات الأخبار وعناوين الصحف العالمية، لسان حال الطفل يقول للعالم: ماذا تنتظرون بعد تجردكم من كل القيم والأخلاق، ليس ببعيد عنه الطفل «ايلان» الطفل السوري والذي وجد ميتًا ملقى على شاطئ البحر، حيث كان من ضمن مركب غرق وقذف به الموج إلى الشاطئ، وإن كان العالم يتعامل مع ما يحدث في سوريا بعيدًا عن كل القيم الأخلاقية، ولكني على قناعة أن الصورتين ستعيشان طويلًا جدًا أكثر بكثير من حياة وذكرى ساسة عالم اليوم.

لنأخذ لقطات تاريخية بشكل عشوائي، الدبابات في ساحة الفردوس تجر تمثال صدام لتختزل قصة بدأت عام ١٩٧٩ وتنتهي ٢٠٠٣ تخبر المشاهد عن ماضي أليم وتنبئه عن مستقبل مظلم أقبل على أهل العراق، لحظة سقوط القنبلة الذرية على اليابان لتدشن مرحلة جديدة من الأسلحة الفتاكة، تفجير الشعار النازي في مقر الحزب الحاكم في برلين، لقطة من ثانيتين كفيلة بإخبار الجميع عن نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما وقف القذافي يتوسل آسريه، انتقل ذلك المشهد الغريب بلحظة من هواتف الموجودين في سرت الليبية إلى العالم أجمع.

المصور الراحل «يانس بيهراكيس» من أشهر مصوري رويترز، يمتلك حسًا إنسانيًا عاليًا من خلال عدسته، نقل ما يحدث في ساحات الحروب من الأحداث المؤلمة، أوجه النساء والأطفال في دروب الموت والضياع، ساهم كثيرًا بكشف الوجه الحقيقي لأطراف النزاعات، استوقفتني له مقولة جميلة جدًا في حسابه في تويتر، يقول فيها:

أنا أحكي لك القصة وأنت تقرر قرارك بعد ذلك، مهمتي الأساسية هو ألا أدع أحدًا يقول لم أكن أعلم.

بأسلوبه الجميل المهذب الراقي، محملًا الجميع المسؤولية في مهمته والتي عاش ومات من أجلها يقول للجميع: «لا عذر لكم».

Twitter:khalifa624

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق