fbpx
كتاب الراية

مداد القلم.. متاحف قطر..  نهضة حضارية أنطقت الصامت !

قفزت ثقافة المتاحف من فوق أسوار المقتنيات كقوّة ناعمة لقطر تضاف لقواها الإعلامية والتعليمية

ترويج الهوية القطرية في كل نواحي الحياة حتى في دعم ثقافة المطبخ القطري بين أروقة المتاحف

أصبحت أرض قطر بصحرائها وحواضرها وسواحلها مراكز إشعاع فكري تطالع فيه القطع الفنية الزائر في عصر نهضة غير مسبوقة

لم تعد وردة الصحراء مجرّد صخرة متناثرة في برّ قطر بل شاهد على الامتزاج الحضاري

قطر أرضها وبحرها وبرّها وبيئتها وأهلها شواهد على خصوبة الحياة وإنتاجية أبناء قطر عندما تُهيأ لها وله الأسباب

قطر شكلت من الفكر المتحفي عصر نهضة إسلامية وعربية جديدًا يبعث الروح في صياغة فريدة

متاحف «الفن الإسلامي» ثم «العربي» أنشأتها قطر برؤية قيادتها الحصيفة لتكون بوابة العبور الفكرية بين الشرق والغرب

الجهود الحثيثة التي بذلتها الشيخة المياسة بنت حمد جعلت قطر منارة للثقافة المتحفية ومقصدًا عالميًا للزوار

في الماضي عندما ينتقدون شيئًا لجموده كانوا يقولون: «حطّوه في المتحف»

عبارة جافّة طالما أوحتها المتاحف أو سياساتها، والتي شكّلت في فترة من الزمن أسوارًا لحفظ المقتنيات والزيارة العابرة للاطلاع البصري فقط على حقب التاريخ، أو رحلة مدرسية – رغم حلاوتها – إلا أنه لم يكن فيها التماس للقيمة الفعلية للمتاحف ودورها الشامل وإرثها الثقافي والحضاري، هذا إذا تجشّم أحدهم –سوى رحلة المدرسة- عناء قصّ تذكرة للدخول هي أصلًا بالمجّان، رغم أن الكثير من أبناء قطر قد نشأ في كنف رعيل الآباء الذين حرصوا على أن تكون متاحف الغرب جزءًا من جولاتهم السياحية وأبنائهم في إجازتهم الصيفية، فكان أن عرف الأبناء تاريخ ثورات أوروبا قبل معرفة جذور تاريخهم. ورغم الجاهزية الفكريّة لدى جيل الآباء إلا أنه لم تواكبها جاهزية مؤسسية، فكانت ثقافة المتاحف كبيئة متكاملة في قطر متأخرة.

أمّا اليوم فحتّى الصامت نطق!

فلم تعد وردة الصحراء مجرّد صخرة متناثرة في برّ قطر بل شاهدًا على الامتزاح الحضاري بين الصحراء والعمران وفي قلبها المبنى التراثي الأصيل بما فيه من كنوز.

وليست الصخرة وحدها بل قطر أرضها وبحرها وبرّها وبيئتها وأهلها شواهد على الخصوبة، خصوبة الحياة وإنتاجية أبناء قطر عندما تُهيأ لها وله الأسباب.

وقبل أن تنطق الصخرة نطقت المسكوكات والمخطوطات الإسلامية والعربية عندما بدأ الفكر المتحفي مبكرًا منذ 2008 من الهوية الأعمّ إلى الأخصّ وبرؤية متفرّدة شكّلت منه قطر عصر نهضة إسلامية وعربية جديد، يبعث الروح في صياغة فريدة لمتاحف متفرّدة (الفن الإسلامي) ثم (العربي) أنشأتها قطر برؤية قيادتها الحصيفة لتكون بوابة العبور الفكرية بين الشرق والغرب.

إنّها لَولادة لِعصر نهضة جديد في قطر بفضل تلك الجهود الحثيثة الرائدة التي بذلتها الشيخة الميّاسة بنت حمد آل ثاني، التي جعلت المتاحف أسلوبًا شاملًا للحياة، وجعلت قطر منارة للثقافة المتحفية ومقصدًا عالميًا للزوار ليس في تعددية أنواع المتاحف والفنون التي تعرضها بمختلف أشكالها التاريخية، الطبيعية، البيئية، الفنية، والموسيقية كثقافة، حضارة، عراقة، تاريخ وإرث ممتدّ، بل إلى جانب ذلك الأنشطة، التدريب، الترفية، التعليم وترويج الهوية القطرية في كل نواحي الحياة حتّى في دعم ثقافة المطبخ القطري بين أروقة المتاحف.

لقد قفزت ثقافة المتاحف من فوق أسوار المقتنيات كقوّة ناعمة لقطر تضاف لقواها الإعلامية والتعليمية، فتعدّت المفهوم الضيّق وغدت عملية تعليمية مستمرة بل شكلًا جديدًا من العمليات الاتصالية المتكاملة، لا تقل عن أي وسيلة أخرى بل تزيد عليها في كونها صياغة متفرّدة بذاتها تخترق حدود الزمان والمكان، واقعيًا وافتراضيًا لتصل الفكر بالفكر والأحياء بالأموات والحاضر بالماضي والتاريخ بالجغرافيا، في تجلي تحولاته، وامتزاجه وانصهاره الثقاقي عبر العصور، لذلك أصبحت أرض قطر بصحرائها وحواضرها وسواحلها مراكز إشعاع فكري تطالع فيه القطع الفنية العالمية والقطرية الزائر في كلّ مكان في عصر نهضة غير مسبوقة.

لقد حققت الشيخة المياسة في آلية عمل المتاحف نقلة تاريخية بطريقة مبتكرة وغير تقليدية حيث جعلت الإنتاج والإبداع والتعليم والتدريب والتفاعلية والنقد والتقييم وبناء السرديات والسياحة المتحفية، جزءًا من الثقافة العامة للمتاحف في قطر إضافة إلى تأصيل التاريخ والهوية والانتماء الاجتماعي فجعلت مباني قطر شاهدًا على البناء الفكري والتنافس الإبداعي الذي فتحته أمام الطاقات الشبابية واستحثته في كل مجالات الفن بكل أطيافه: الرسم، الموسيقى وفنونها، الإنتاج الفيلمي الإبداعي، الإخراج والنقد والتحكيم بل وأشركت الأطفال والشباب أيضًا في تدريب على الفن العالمي القائم (قمرة) وبناء نقدي حصيف سميّ ب «أجيال» ليرفض ثقافة المتلقي السلبي وليتحول إلى جيل ناقد ويبدع في الوقت ذاته امتيازًا يخلد هويته ويؤخذ عنه.

لم تكن التفاعلية الميدانية في ورش العمل فقط هي بيت القصيد، ولم يكن حظّك من ثقافة متاحف قطر بين أروقة المتاحف فحسب بل حتى لو كنت مغتربًا فإن إبداع الرؤية نجحت في خلق العالم الافتراضي له، والتي تجعلك تعيش جَوّه في توازٍ مماثل، حتى بتنا نتسابق مع أبنائنا عبر منصات التواصل الاجتماعي للإجابة عن الأسئلة حول ما هيّة لوحة أو مكنون من مكنوناتها أو عصر انتمائها، هذا الحضور التفاعلي الافتراضي يعدّ عملية تثقيفية مستمرة بآلية جديدة في فضاء أرحب. إنه شراكة فكريّة تخلق العلاقة الحميمة بين الفرد والثقافة وكأنها كائن حيّ بل حبيب يستحثّ المرء النزول للقاء به أولًا عند النزول في مطار الدوحة. لذلك لا أبالغ إذا قلت إن كثيرًا من زوار قطر من الأجانب الذين عرفتهم يتمنون قضاء ساعات في مطار الدوحة لرؤية وتصوير الأعمال الفنية فيها فضلًا عن حجز رحلاتهم على الترانزيت بفترة انتظار تمكنهم القطرية فيه من النزول المؤقت الذي يختارون فيه زيارة أحد المتاحف وقت انتظار وجهتهم الثانية.

لقد حرصت المتاحف على وجود العناصر المدربة من المرشدين القطريين الذين يحذقون اللغتين، وهذا يعكس تكاملية في إستراتيجية عملها، التي نعلم أن توفير الموارد البشرية فيها ليس بهذه السهولة ولكنها، في ظل النقص، قد تقتضي أيضًا أن تحدث نقلة نوعية مستقبلية في التعاون مع جامعة قطر في الإرشاد النوعي لفتح هذا المجال في الدبلوما الخاصة في الإرشاد المتحفي حيث تعدّ قطر بيئة خصبة وهي مقدمة على حدث عالمي كبير هو الأضخم وعمل المتاحف فيها عصب مهم وحيوي، خصوصًا أن هناك الكثير من القطريين بل ومن أبناء قطر ومواليد قطر الذين أنهوا الثانوية ولم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعات لسبب أو لآخر، ما يمكن من إمكانية توجيههم وإعطائهم بعثات داخلية علمية وتدريبية تتعهدها المتاحف لملء شاغر في هذه التخصصات المهمة وفقًا لأنظمة الابتعاث والعمل، ما يهيئ لتنمية المهارات المستقبلية في هذا المجال.

وأخيرًا

حقبة النفط في متحف قطر الوطني ثقافة مهمّة حَريّة أيضًا بتمثيل مكوناتها ومراحلها بطريقة علمية للنشء سواء في ورش العمل أو في الألعاب العلمية المصاحبة كتلك التي اعتدناها في متاحف العلوم.

وإذا تجاوزنا العلوم فإن مسمى المتحف بالإنجليزية Museum قد اشتق عن اليونانية في كلمة (ميزيون) أي (دولة الشعر و الأدب والفكر) فكلنا أمل أيضًا أن تجد معلّقات الشعر العربي بمعناها ومخطوطاتها طريقها إلى التفاعلية والتمثيل في أعمال تجسدها لوحات فنية كتلك التي عودتنا عليها الشيخة المياسة في الطرح الاستثنائي، وجعلت متاحف قطر تتجاوز الأسوار والمعمار إلى القيمة الحضارية والفكرية والتعليمية في أرض الواقع، والتفاعلية الذكيّة في جيوبنا في كل منصات التواصل.

عقد من الزمن وينيف بعامين كان كفيلًا بأن يشكّل السرد المتحفي رصيدًا فكريًا لشعب قطر ومدرسة تعلّم فيها كيف تكون الثقافة قوّة ناعمة وأسلوب حياة.

 

إعلامية وأكاديميّة قطرية

دكتوراه في دور الإعلام الاجتماعيّ في الحراك السياسيّ والتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في منطقة الخليج العربيّ

@medad_alqalam

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X