كتاب الراية

هنا والآن ….. الثقافة إلى أين ؟

أجهزة الثقافة وخططها ومشاريعها ينبغي أن تكون انعكاسًا لحاجات المواطن

ما هي مرئيات الوزارة للسنوات القادمة .. أم أنها تسير بالبركة؟

وزارة الثقافة أبعد ما تكون عن روح الحداثة والانفتاح والديناميكية في أنشطتها المحدودة

عندما يثار اليوم ضجيج وعجيج، وينفجر جدال وملاحاة في السوشال ميديا حول المواطنة والاستحقاقات والتظلمات فإن الأمر لا يعدو كونه ردة فعل تلقائية لأي نكء لدمل مزمن، يتفصد صديدًا كلما انكشف، وتلك عمومًا إشكالية خلقتها وعززتها بلا شك ممارسات وتوجهات عديدة، باتت تستدعي مواجهة شجاعة وإعادة نظر.

حان الأوان كذلك للتدارك بوضع سياسات ثقافية متوازنة ومواكبة للمستجدات والمتغيرات، لكيلا تبتلعنا سريالية الغثاثة والرثاثة.. ولا يحمد عقباها. إنني على يقين بأن طبيعة المرحلة ومتطلباتها هي التي تهيمن وتسيطر على طبيعة الأنشطة الثقافية وتوجهاتها ومداها وتحدد أيضًا جندر الوزير وفترته.

لاشيء يفوق أهمية الإرادة السياسية وتوجهاتها وعندما تعتزم الإرادة العليا إحداث موجة تغيير، فلابد أن تتحرى بطبيعة الحال دعم إجراءاتها وتمكينها.

إن الإنسان في هذا المجتمع يحتاج أن يمكّن من التعبير عن نفسه عبر منابر وتنظيمات مدنية ويستحق أن يجد أمامه مشروعات تجسد تطلعات أجياله إلى المستقبل وينبغي أن تكون أجهزة الثقافة وخططها ومشاريعها انعكاسًا لحاجات المواطن، واستجابة لخشيته من فقدان الأصالة، وخوفه من التقلص والإزالة والاندثار. إن الحديث عن (الاستحقاقات) بدون وجود أدوار فعليّة وخريطة عمل وأهداف بعيدة ليس إلا جعجعة بلا طحين تكشف عن تحوّل الوطن إلى (تورتة) للتقسيم وموضوعًا للتنازع عليه لا للتوافق والالتفاف حوله.

ولأن الثقافة يجب أن تقود لا أن تنقاد، وتواجه لا أن تساير، وتوجه فلا تخضع لإملاءات يفرضها مجتمع يصارع مخاوفه وتخرّصاته وانكماشه، فإن الشؤون الثقافية اليوم بالذات لا تحتمل الضبابية والهدر والإغفال لاسيما في ظروف الاستعداد للمونديال القادم، وسهام دول الحصار المترصدة، والأهم من ذلك الإرهاصات الداخلية جراء الإعلان عن انتخابات شورية طال انتظارها وتفاقمت (الاستحقاقات) والأوهام المحيطة بها (وستأتي غالبًا بأعضاء شورى جل نشاطهم المطالبة بإيقاف حفلات الأغاني وفعاليات الترفيه والفنون).

تتطلب وزارة الثقافة استقرارًا وتطويرًا يخلقهما وجود سياسات واضحة مستبصرة وإدارات ركينة وبرامج حقيقية وليست (شووو)، وأنشطة دائمة وليست موسمية، ومساحة معقولة من المرونة والعصرنة وسعة الأفق فإذا كانت مؤسسة الحي الثقافي (كتارا) وهيئة المتاحف وحتى مؤسسة الدوحة للأفلام ما فتئت تنظم عروضًا وفعاليات سنويًا، لافتة ومرموقة وذات طابع عولمي فإن وزارة الثقافة المعنية بالأنشطة الداخلية، التي توجد في البلد ذاته، وتستهدف بفعالياتها، جمهورًا من القطريين وغيرهم تبدو أبعد ما يكون عن روح الحداثة والانفتاح والديناميكية في نهجها وتعاطيها وأنشطتها المحدودة!

كانت دائرة الثقافة جزءًا من الإعلام ثم تأسست إدارة الثقافة والفنون في1977 و ظهرت وزارة الإعلام والثقافة في 1989 وفي عام 1996 ألغيت وزارة الإعلام و بعدها ألحقت الثقافة بوزارة التربية والتعليم والثقافة وأسندت إلى د.محمد عبدالرحيم كافود، وأعقب ذلك تشكيل المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في 1998 ويذكر كافود في حوار صحفي بأنه طلب فصل الثقافة وتكوين مجلس وطني ثم جاءت وزارة الثقافة والفنون والتراث على أنقاض المجلس، واستمرت من الفترة 2008 إلى 2016 حيث صدر قرار بدمج الرياضة والشباب مع الثقافة!!

خلال هذه التطورات تغير حجم الوزارة ووزنها وتأثيرها وأولوياتها ووزراؤها ومدى التحاقها بالعصر، وكذلك حجم موازناتها، وعلى ذكر الموازنة فقد تأسس ما يسمى بصندوق دعم الأنشطة الاجتماعية والرياضية في 2010، يهدف إلى دعم الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والخيرية (!!) ليس ينقصنا التمويل-إذا – مادام المال وفيرًا وهو كذلك ما ظل محروسًا بالرقابة ومرصودًا لغايات واضحة ويصب في برامج وأنشطة مستدامة.

لقد تضررت مؤسسة الثقافة ضررًا جسيمًا ففي كل مرة تجرى عليها عملية (إعادة التنظيم) يتم بقر بطنها وتغيير إداراتها وقلبها رأسًا على عقب وتحدث مجزرة وتبديد وتفجير لكل خطوات التراكمية والسيرورة التطورية والأدهى وقوع تقاسم وتداخل في الشؤون الثقافية بين جهات متعددة غير متجانسة ولا متساوية في المستوى والامتيازات. أليس من المفارقة بعد ذلك كله أن نتصور بأن تلك المؤسسة المعطلة والمبتورة والأقل حظًا سوف تسعفنا في تجسير الفجوة ورأب الصدع الداخلي؟

ما أبشع الاستمرار في تغييب كيان تنظيمي مدني للكتاب والفنانين للتعبير عنهم وحماية حقوقهم وتنظيم نشاطهم ورصده وتوثيقه وتحليل توجهات الحالة الثقافية.

حتى تكريم الفنانين والرواد على إسهاماتهم التأسيسية اقتصرت على تقديم درع أو شهادة! ماذا لو أطلقت أسماؤهم على معالم مهمة! أسندوا إليهم مهامّ تتعلق بالسياسات العامة والإشراف واستفيدوا من خبراتهم ومهنيتهم العالية! دونوا ذاكرتهم واستكتبوهم لكي نضمن الحفاظ على أرشيف وطني.

في (ليلة الأغنية القطرية) وأصواتها المنسية والمهمشة، هناك في الخلف جوقة كاملة من المسرحيين وممثلي الدراما والفنانين التشكيليين والمؤلفين والباحثين وغيرهم وكلهم يتحشرج صوته بغناء صامت يقول: (ما زلنا هنا!) ! إن تلك (الفعالية) وسواها إنما تستخرج مدفونا يتم انعاشه للعرض فقط ثم يعاد تخديره.. مجددًا! ماذا حصدنا؟

هل تأسست في هذه الوزارة دار نشر وتوزيع قوية ونشطة تقوم بالطباعة والترجمة والتوزيع؟ هل هناك مراكز وجمعيات ونواد وفرق مسرحية وموسيقية ترعاها وتحتضنها الوزارة ؟ ما هي مرئيات الوزارة للسنوات القادمة أم أنها تسير بالإيعاز وبالبركة و تعيش لحظتها فحسب؟ وهل ترى ينتظرنا إعلان بإعادة تنظيم الثقافة.. مجددًا؟

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X