fbpx
كتاب الراية

مداد القلم.. الشورى المنتخب والسلطة الخامسة!

الطموح في تحقيق مكتسبات حرّية الرأي والتعبير يقودنا نحو الأفضل

الجزيرة دائمًا سباقة نظريًا وعمليًا في لفت النظر إلى المكتسبات الشعبية

الإعلام الإلكتروني التفاعلي عزّز إيجاد منصات لتجاوز ما كانت تسمى مكتسبات

أصحاب الجلالة لقب يطلق على الملوك فجاءت الصحافة في عصور سابقة لتسرق اللقب

في دولنا لا سلطة لدى الشعب رغم ما يشاع بأنه مصدر السلطات

صوت الشعب وصحافة المواطن باتا يشكلّان مصدر قلق دائم للحكومات

تحديث قوانين الجرائم الإلكترونية سبق تحديث قوانين الإعلام في كل دول الخليج

هل نملك في قطر صحافة حرّة بالمعنى الحقيقي؟ وهل تعززت البنية الاعلامية التحتية والمكتسبات الديمقراطية في المجال العام تمهيدا للحياة البرلمانية؟

الجواب بالنفي!

تقرير حرية الصحافة العالمي يكشف التصنيف المتدني لقطر في باب الحريّات الاعلامية رغم كونها واحدة من الأفضل بين دول الخليج التي تقع جميعها في ذيل قائمة ال 180 دولة، فقد جاء تصنيفها 129 في 2020 و128 في 2019.

عندما أعلن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في خطاب الشورى 49 عن الانتخابات القادمة في أكتوبر 2021، قادتنا الذاكرة إلى كثير من القوانين المنظمة للحياة النيابية، التي توقّعنا إقرارها قبل إعلان المجلس المنتخب حيث تقتضي التراتبية ذلك خصوصًا، وأنها تتواكب مع رؤية سمو الأمير المفدّى.

الطموح في تحقيق مكتسبات حرّية الرأي والتعبير في قطر دائمًا ما يقودنا نحو الأفضل خصوصًا أننا نستمده من أعلى الهرم منذ رفع الرقابة عن وسائل الإعلام 1995 وإلغاء وحلّ وزارة الإعلام 1996 منذ عهد سمو الأمير الوالد، والعهد الحالي حين أكّد سموّ الشيخ تميم على أهميتها في خطابات عدّة منها كلمة سموه في الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2017 وفي مقابلته في برنامج 60 دقيقة في قناة CBS الأمريكية، وفي مؤتمر ميونخ للمناخ فبراير 2018.

في قطر رغم الحرية الأوسع التي يجدها المواطن في التعبير عنه في عدد من دول الخليج إلا أنها لم تسلم من التعويم خصوصًا في ظل تأخر صدور القانون العام الشامل للإعلام وتوظيفه للتكنولوجيا رغم أنه قد نوقش تعديله مرارًا منذ عقود من الزمن، ولكن توقف التاريخ ظلمًا لقطر عند قانون رقم 8 للمطبوعات والنشر 1979 الذي أكل عليه الدهر وشرب، والذي يعدّ وقانون الجمعيات لبّ الحياة الديمقراطية الذي يهيئ للمجتمع المدني.

المفارقة الميدانية التي تستحق الوقوف عليها هي أنه لم تعد الشعوب في مرحلة الانتظار فمع الإعلام الجديد تسلح كل فرد بأداته ووسيلته وتمكّن قبل أي قانون، فالإعلام الإلكتروني التفاعلي عزّز إيجاد منصات لتجاوز ما كانت تسمى مكتسبات ينتظرها الفرد بملعقة الحكومات حيث أتت بقوة جديدة على غير موعد لذلك دخلت تحت مسمى السلطات وهي ما أطلق عليها William Dutton ويليام داتون ‘Fifth Estate’ السلطة الخامسة.

كان لقب أصحاب الجلالة يطلق على الملوك فجاءت الصحافة في عصور سابقة لتسرق هذا اللقب من البلاط لتعزّز سلطة الكلمة الحرّة. ثم أطلق على الإعلام التقليدي مسمى السلطة الرابعة التي كان لأهميتها سابقًا أن جعلت أول تعديل في الدستور الأمريكي لتسبق السلطات الثلاث: التشريعيّة، التنفيذيّة والقضائيّة التي منحتها الدساتير استقلاليّةً قانونيّةً لتكون موجهًا ورقيبًا عليها جميعا، حيث إنها تستمد سلطتها من سلطة المجتمع، التي تكون في النماذج الديمقراطية أكثر نفوذًا من سلطة الحكومة.

ولكنّ ما فتئ البلاط عربيّا إلا أن سُرق من صاحبته، فلم تعد الصحافة سيّدة القصر بل أجيرته وذلك بإحكام الرقابة عليها وإلجامها تحت قيد الحكومات لذلك شاع مصطلح حرّاس البوابات الذين يُجنّد معظمهم من قبل الحكومات لتقنين ما ينشر. وتفننت الحكومات في تشكيل هرم استبدادي ليكون مرجعية للصحف والإعلام الحكومي ينطبق عليها المثل القرآني: «لا أريكم إلا ما أرى» فغدا الإعلام تطبيلًا للحكومات.

التحدي الجديد قائم، ولكن في دولنا لا سلطة لدى الشعب، رغم ما يشاع بأنه مصدر السلطات. السلطة الرابعة ما زالت في نسختها العربية مخنوقة. ولكن دارت عجلة الزمن وبزغ نجم السلطة الخامسة كأقوى سلطة حين غدا الإعلام اليوم وسيلة اتصالية جماهيرية ولكن فردية التحكّم كما يسميها كاستيل Mass self-communication فللفرد أن يتحكم في الإعلام الجماهيري ليس فيما يرسله فحسب بل فيما يستقبله ويوجهه أيضًا. فتعزز صوت الشعب، وصحافة المواطن التي باتت تشكلّ للحكومات مصدر قلق دائم.

السلطة الخامسة باتت في المجتمعات الخليجية الأقوى في ظل غياب -وبالأحرى تغييب- للمجتمع المدني وغياب أو تأخر غير مبرّر للقوانين والتشريعات التي تحكم وتنظم عملية التحوّل الديمقراطي، أو في ظل الثورة المضادة على القوانين السابقة، أو في ظلّ وجود أدعياء الإعلام من حراس البوابات، الذين يقلّدون أنفسهم سلطة أكبر من سلطة الحكومة فيتفننون في التحكم في المحتوى ويمارسون وظيفة مقصّ الرقيب خوفًا أو جهلًا.

لقد باتت المنصات الرقمية بديلًا فاعلًا لمجتمع افتراضي مدني تشكلت بداياته في قوائم المجموعات البريدية الإلكترونية ومن ثم المنتديات ثمّ التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي فنجحت في تكوين جماعات افتراضية، خصوصًا تويتر في الخليج، فغدا الهاشتاغ وحدة مركزية لنماذج الاعتصام وحّد المجموعات في مطالب محددة يسبقها رمز # فباتت أرقًا يؤرق الحكومات وتحديًا تفنّنت بعض الحكومات في وسائل قمعه والتلاعب فيه.

فلا ضير إذا لاحظتم معي أن سنّ وتحديث قوانين الجرائم الإلكترونية وتغليظ قانون العقوبات في أعقاب الربيع العربي، سبق تحديث قوانين الإعلام وحرية الرأي في كل دول الخليج ومنها قطر، فسبقت قوانين التجريم قوانين الحقوق، بل لبست ثوبًا افتراضيًا في عالم رقمي بتمييع وتعويم الكلمات فيما يتعلق بإضافة بنود خاصة في محاربة حرية الرأي والتعبير تحت مسميات فضفاضة مثل «تأليب الرأي العام» في حين إنه لا يوجد تعريف دقيق «للتأليب» ، ليصنّف بذلك كل رأي حرّ مخالف في وجهة نظره لرأي الحكومات على أنه تأليب للشعوب ويدخل حيّز العقوبات التي تتحكم في تدفق السلطة الخامسة التي أقضّت مضاجع دول الخليج التي فوجئت بأنها أمام شعوب مسلّحة فوق أنها مفوهة وناطقة.

التساؤل اليوم ليس جديدًا ولكنه جدير بالطرح ونحن قاب عشرة أشهر أو أدنى من المجلس المنتخب خصوصًا أننا مقبلون على تأسيس مدينة إعلامية في قطر، وفقا للقانون 13 لعام 2019، هذا وقد أكد سمو ّ الأمير على حرية الرأي والتعبير في افتتاح الجمعية العامة ال 140 في الاتحاد البرلماني الدولي المنعقد في الدوحة أبريل 2019، بل وأكّد في كلمته للمواطنين والمقيمين يوليو 2017 على ضرورة «تطوير قوتنا الناعمة على المستوى الدولي ومنها (الإعلام)» .

«السلطة الخامسة» لم تنتظر الحكومة لكي تحّدث قوانين الإعلام، ولن تنتظر برلمانًا يعطيها شرعية الوجود، والتحدي الذي يواجه الحكومات ليس الشورى المنتخب بل البرلمانات الشعبية الافتراضية وسلطة الشعوب المسلّحة، فالتنوير الشعبي في الإعلام العربي الدولي وضع لها سابقًا برنامجًا باسمها «السلطة الخامسة» في قناة «دويتشه فيله» الألمانية الناطقة بالعربية، أما قناة الجزيرة الناطقة بالعربية من قطر فهي دائمًا سبّاقة نظريًا وعمليًا في لفت النظر إلى المكتسبات الشعبية (الشعب مصدر السلطات) فقد أدركتها في البرنامج المشتق من نظرية السلطات المسمى «أنتم فوق السلطة» .

وفي مفارقة بين الرؤية والتطبيق، ومع تراجع مستوى النقد والطرح في الصحافة الرسمية والإعلام البيروقراطي أعني التقليدي في قطر وتحّكم حرّاس البوابات فيه، هل الشعب حقّا – فيما سوى الجزيرة- فوق السلطة والوطن لا زال يعزف على وتر نغم قانون منفرد مهترئ الأوتار صنع في عام 1979؟

 

إعلامية وأكاديميّة قطرية

دكتوراه في دور الإعلام الاجتماعيّ في الحراك السياسيّ والتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في منطقة الخليج العربيّ

@medad_alqalam

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X