كتاب الراية

هنا والآن … الشخصية القطرية

يصف القطريون أنفسهم في الأدبيات والمجالس بأنهم أهل وفاء وعهد وصبر على الشدائد وأهل الطيبة والبساطة والتواضع

ثنائية القائد والشعب تنتصر دائمًا في قطر

حضرت الجلسة الثانية بمسرح قطر الوطني وكانت بعنوان «تحديات واستجابات.. أحداث ميّزت الشخصية القطرية»، للمحاضر غانم بن سعد الحميدي. وقد أوجزت المحاضرة وأجملت، وللمحاضر أسبابه في ذلك الإيجاز وفي تجنبه التام ذكر أسماء ووقائع وتفاصيل. وفي خلاصته انتهى الحميدي إلى نقاط مهمة هي: اعتداد أهل قطر بأنفسهم وشدد على أن ثنائية القائد والشعب تنتصر دائمًا في قطر، وأكد على بروز النزعة الاستقلالية لقطر. من نافل القول أن استقلالية قطر وسيادتها تستلزم بروز شخصية مستقلة للقطريين رجالًا ونساءً على حد سواء وتتطلب تحقيق المواطنة بكل أطرها وضماناتها ولعل السؤال هو: كيف يرى القطريون أنفسهم ؟

تحضرني هنا لوحات الفنان جاسم زيني»1942-2012 « فقد كان مدار اهتمامه الإنسان في حياته اليومية وعلاقاته وبرزت المرأة في أعماله بصورة رئيسة فالمرأة عاكسة كاشفة لروح المجتمع و»جوانيته». وفي كتابه «العوسج» تحدث د. علي بن خليفة الكواري في مذكراته عن الشخصية القطرية من رجال ونساء، فالنساء جذور وعلاقات وأطياف الماضي ورؤى المستقبل. وكان العنوان ذاته «العوسج» مُوحيًا ودالًا. قدمت «عوسج» الكواري القطريين باعتبارهم جماعات متصاهرة ومنصهرة، متساندة ومتكافلة، متعايشة ومتساوية. ويجسد علي بن خليفة، هو ذاته، تلك الشخصية القطرية ويمثلها أبلغ تمثيل فهو الإنسان العصامي المستقل المعتد بذاته الباحث والساعي وراء المعاني بدأب وتواضع وإخلاص.

يصف القطريون أنفسهم في الأدبيات والمجالس بأنهم أهل وفاء وعهد وصبر على الشدائد وأهل الطيبة والبساطة والتواضع، وقد وقر في سمعي عبارة قالتها د. كلثم الغانم في ندوة منذ سنوات قالت: القطري مهوب مكلمنجي». أما المؤرخ القطري د. محمد المسلماني فقد ذكر في حوار صحفي في 2017 بأن «الإنسان القطري «هو» الوحيد الذي لم يغادر للبحث عن كسب الرزق، وكانوا صابرين على كل شيء.

لفت انتباهي في محاضرة «التحديات والاستجابات» ذلك الارتباك الملحوظ عندما يتماس الشفوي بالمدون فقد ذكر المحاضر أنه يعتمد على الرواية القطرية إزاء الروايات الأخرى وكان أحيانًا يرجحها على سواها وحتى على ما ذكرته الوثائق البريطانية مثلًا، كما ذهب في أعداد القتلى في إحدى المعارك، حيث ذكرت بريطانيا أنها فادحة ورأى المحاضر أنها بالغت في ذلك.

جاءت الكتابة لكي تكون سببًا رئيسيًا لفقدان الذاكرة الثقافية عند المجتمعات الشفوية فالمجتمعات الشفوية كانت تحافظ على ذاكرتها متناقلة عبر الممارسة والرواية إلا أن التدوين بعث سبلًا أخرى لأرشفة مؤسسية. بدأت فلسفة الأرشفة أساسًا مع قيام الدولة الحديثة فلكي تكون هناك دولة لابد من تأسيس أرشيف وطني منظم والأرشفة عملية نظامية ومؤسسية وليست جهودًا فردية إلا أنها تنطوي على مجموع الروايات والشهادات والمساعي الفردية والمذكرات وكل ما يمكن جمعه. والذاكرة على كل حال انتقائية ونفعية وغالبًا ما تفتح الملفات التاريخية بشكل موجه ومنتخب ويخدم المصلحة المرحلية أما الأرشفة فتجمع كل الروايات مثل أحجار الفسيفساء لكي تكتمل الصورة لاحقًا بتحليلها وتقليبها بمنظور كلي وعبر المقارنة والمقابلة مع نظيراتها.

لئن تناولت تلك المحاضرة عام 1851 ما قبل وما بعد، بسبب اقتراب الاحتفال بيوم المؤسس، فإن هناك تعطشًا متزايدًا إلى تناول تلك الفترة بأحداثها الجسام، هي وكل المحطات والعلامات والشخصيات النشطة والأحداث والأماكن المؤثرة والفاعلة في ضميرنا ووعينا، وينبغي أن يتم تفعيلها في سياقات الحاضر، في المناهج والإعلام لتكون هوية فاعلة.

قطعًا نحن بحاجة إلى محاضرات وندوات تستعرض فترات أخرى لاحقة مثل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ففيها مفاصل ارتكازية ومحورية مؤثرة فقد بدأ التحول من إدارة مشيخة إلى نمط الإدارة الحديثة في الخمسينيات بعد تصدير النفط في 1949 وترأس المستشار البريطاني الإدارة العامة وانضم معظم أهل قطر إلى شركة نفط قطر وكونوا طبقة عمالية منذ 1950 وظهرت لجان العمال في دخان وامسيعيد وتأسس نادي الطليعة 1959 وتلا ذلك نادي الجزيرة الاجتماعي وأسست فرقة الأضواء. قدمت عريضة الحركة الوطنية في 1963 ثم صدر البيان الإيضاحي في العام نفسه وصدر النظام الأساسي المؤقت 1970 وبعده بستة أشهر جرى إعلان الاستقلال. ونص النظام المؤقت على إنشاء مجلس شورى منتخب ثم جرى تعديل النظام في 1972 حتى استبدل النظام برمته بصدور دستور قطر الدائم عام 2004. ويمكننا القول بأنه جرى تمديد العمل بمجلس الشورى المعين مدة نصف قرن حتى الآن، حيث من المقرر أن تُجرى أول انتخابات شورية في قطر في أكتوبر 2021.

محطات تاريخية من الإضرابات العمالية واستجابة أهل قطر لنزعة التحرر والمد القومي والجهود الأهلية وصولًا إلى السبعينيات والطفرة النفطية الأولى ومآلات الحركة التصحيحية وخطواتها في استقطاب كل الكوادر الوطنية وبروز تطلعات الطبقة المتوسطة، إذ إن البعثات الدراسية والإسكان الشعبي وكذلك تأميم القطاع النفطي وتفكيك الطبقة العمالية الوطنية وإرساء خطة خمسية يتم لأول مرة وبناء المصانع في امسيعيد وتأسيس الجهاز الحكومي.

ثم تلا ذلك العهد بداية الانحسار في دولة الرعاية، والتي كانت دولة الكوبونات مقابل المشاركة في القرار السياسي ثم انطفأ عهد الطفرات النفطية.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X