كتاب الراية

عمر المانع كما عرفته

«عمر المانع» هو من أوائل القطريين الذين «راهنوا» على تركيا.. الإرث والتاريخ.. الصناعة والسياحة

عشِق إرث تركيا وتاريخها وراهن على ذلك فكانت إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن التركية هي محطاته ومناطق سياحته

أودّع واحدًا من الرجال الذين تركوا بصمة في مسيرتي الإعلامية.. أودّع رجلًا عرفت فيه روحه المرحة وحُبّه لبلده وأهلها

لو كان الأمر بيدي لاقترحت على سفارة الجمهورية التركية بالدوحة رفع مذكرة للحكومة في بلادها تقترح إطلاق اسم «عمر حمد المانع» على أحد الشوارع في إحدى مدنها الكبرى.

«عمر المانع» هو من أوائل القطريين الذين «راهنوا» على تركيا، الإرث والتاريخ، الصناعة والسياحة، تركيا القريبة من العالم العربي والإسلامي، تركيا التي حملت يومًا مشعل الخلافة الإسلامية، فطرقت جيوشها المسلمة الباسلة أسوار مدن غرب أوروبا، تركيا التي بشر النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» بفتح القسطنطينية فيها (إسطنبول الآن) بقوله «لتُفتَحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وهذا ما تحقق يوم 29 مايو 1453م على يد البطل المسلم «محمد الفاتح».

«عمر المانع» عشِق إرث تركيا وتاريخها، وراهن على ذلك، فكانت إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن التركية هي محطاته ومناطق سياحته. يقول لي ابنه سعود: كنا نسافر مع الوالد في بداية ثمانينيات القرن الماضي ونحن صغار إلى تركيا في كل إجازة صيف، وكنا نقول له يا أبي لماذا لا تأخذنا إلى لندن وباريس؟! فيقول: «لا، فقط تركيا، هي أحسن من كل أوروبا، وإذا مد الله في أعماركم فلكم الخيار في السفر إلى أي مكان في العالم»، وكأن الرجل كان على قناعة تامة بأن لهذه البلاد الكبيرة مستقبلًا واعدًا وزاهرًا، تنتظر فقط فارسًا ينتشلها مما هي فيه ليضعها في مصاف الدول الكبرى والمؤثرة، حتى سخر الله لها القائد والزعيم الفذ فخامة الرئيس «رجب طيب أردوغان»، لا ليقودها إلى مصاف الدول المتقدمة فحسب، بل ليضع تركيا في صدارة الدول الإسلامية التي تدافع عن حقوق المسلمين وتنتصر لقضاياهم حول العالم.

يوم الخميس الماضي 10 ديسمبر 2020 نما إلى علمي وفاة الوالد والأخ والصديق «عمر بن حمد المانع»، وفي تركيا البلد التي أحبَّها وعشِقها. عرفت «بو سعود» عن قُرب في مطلع عام 1981، أذكر أنني زرته في مكتبه ببرج المانع الجديد والذي تم تشييده حديثًا وقتها، ويقع على طريق مطار الدوحة الدولي، وكان بصحبته الأخ أحمد بن عبدالله بن عبداللطيف المانع، ولي معرفة بالأخ أحمد كونه قد تخرج من جامعة الكويت التي تخرجت منها أيضًا وإن هو سبقني بسنوات. دخلت عليه المكتب وبصحبتي أخي العزيز «جاسم بن فهد الفيحاني»، كنا وقتها نعمل في مجلة الصقر، كنت رئيس التحرير وجاسم مدير الشؤون الإدارية والمالية، كان عمري وقتها لم يتجاوز ال 24 عامًا.

بعد السلام والتحية قدمت له نفسي، وأعربت له عن رغبتي في تأجير دورين من البرج، السابع والثامن، فضحك وقال: ما شاء الله دورين مرة وحدة!! ليش مش دور واحد؟ ألا يكفيك ذلك؟ ثم لمن راح تأخذ هذين الدورين؟ لم تكن هيئتي توحي بأني رجل أعمال أو حتى من الأثرياء، فاستغرب طلبي. قلت له: أريد الدورين كمقر لمجلة الصقر، فاستفسر إن كانت هي مجلة خاصة أملكها؟ فشرحت له طبيعة المجلة وجهة الإصدار، وأبلغته أنه في حال موافقته فإن جهات الاختصاص بوزارة الدفاع هي التي ستتولى مناقشة موضوع الإيجار كلفته وشروطه، أنا هنا فقط للحصول على موافقته المبدئية، والأخ جاسم هو من سيتولى تلك الأمور.

وذلك ما تم، حيث انتقلنا في مايو 1981 إلى المقر الجديد للمجلة في برج المانع، خُصص الدور الثامن لهيئة التحرير وقاعة الاجتماعات والسابع لباقي أقسام المجلة. وتحول مقر المجلة لاحقًا، بفضل الله، ثم بفعل المشرفين عليها، وجهود عمر المانع والتسهيلات الكبيرة التي قدمها، إلى محط زيارة للعديد من الشخصيات العربية وغيرها. ثم توالت إدارات حكومية أخرى لتأجير باقي الأدوار، وفي كل مرة يزورني فيها عمر المانع كان يقول إنه ببركات مجلة الصقر اكتمل تأجير البرج.

مرت سنوات، انتقلتُ بعدها للعمل مديرًا لتلفزيون قطر، وتسارعت الأحداث على الساحات المحلية والعربية والعالمية، ومنها الأحداث الرياضية وبالتحديد مباريات كرة القدم العالمية، وكانت روزنامة المباريات الدولية مزدحمة، وفي المقابل فإن ميزانية النقل التلفزيوني لم تكن تكفي لنقل كل الأحداث الرياضية، وكانت مَطالب الجمهور الرياضي تلح علينا بنقل مثل تلك المباريات، فكنت ألجأ للسيدين الكريمين عمر المانع وكيل الكوكا كولا، وعادل علي بن علي وكيل البيبسي كولا، لكي تكون شركتاهما العملاقتان راعيتين لتلك المباريات، مقابل أجر مقداره عشرون ألف ريال للمباراة الواحدة، ولعل من باب الصدف الجميلة والتي حملتني تنفيذ هذه الفكرة، أنه قد صدر قرار من جامعة الدول العربية وقتها، برفع المقاطعة العربية عن شركتي الفورد للسيارات وشركة الكوكا كولا للمشروبات الغازية، فكانت مناسبة جيدة للتواصل مع وكيل الشركة للتعاون مع التلفزيون في هذا الجانب، وهذا ما تحقق ولعل مشاهدي «تلفزيون قطر – القناة 37» في تلك الأيام يذكرون أننا حينما كنا ننقل أي مباراة عالمية، كنا نشير إلى أن هذه المباراة تنقل برعاية شركة المانع وكيل الكوكا كولا، وتلك المباراة تنقل برعاية شركة علي بن علي وكيل البيبسي كولا، في صورة رائعة جسدت التعاون الكبير بين مؤسساتنا الحكومية وشركاتنا الخاصة، حتى أصبحت قطر منارة يهتدى بها في دعم القطاع الخاص للأنشطة والفعاليات التي تقيمها المؤسسات الأهلية والخاصة، لتحذو لاحقًا دول مجلس التعاون حذوها، وها هي الشواهد تبرز الآن من خلال شاشات التلفزيون الخليجية. بل كنا في بعض الأحيان ننقل مباريات برعاية شركاتهم دون الحصول على موافقتهم، إيمانًا منا بوطنيتهم، وثقةً منهم، في شخصي وفِي أسرة تلفزيون قطر، وهنا لا بد لي أن أشيد بدور القطاع الخاص في بلدنا ودعمه المستمر وحتى يومنا هذا لمثل هذه الفعاليات.

واليوم حين أودع واحدًا من الرجال الذين تركوا بصمة في مسيرتي الإعلامية، أودع رجلًا عرفت فيه روحه المرحة، ووجهه البشوش، ونفسه الطيبة، وحُبَه لبلده وأهلها، كما هي سيرة أسرته العريقة الكريمة في مسيرة البناء والنماء لهذا الوطن الغالي، من والدهم ووالد الجميع رجل العلم والفكر والدين العلامة محمد بن عبدالعزيز المانع، مرورًا بإخوانه طيب الله ثراهم، وأبنائهم الكرام، داعيًا المولى عز وجل أن يتغمد فقيدنا بواسع رحمته ويحشره مع الصديقين والشهداء والصالحين، وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين جميعًا.

«إنا لله وإنا إليه راجعون»

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X