كتاب الراية

هنا والآن.. القطرية في مجلس الشورى

حريّ بالمرأة -إذًا- أن تنتفع بحصة وافرة من التعيين لتحقيق تمثيل المرأة مادام المجتمع يعلن أنها نصفه

المرأة رقم صعب في الانتخابات ولسوف ترتفع أعداد الناخبات في قطر وتفوق نسبة الناخبين

لا يوجد تجمع بشري لا يتشوف إلى ممارسة حقوقه السياسية، ومن أهمها تكوين الجمعيات والحق في التجمع وحق تقديم العرائض وحق التصويت، وهناك طريقان، تسلك المجتمعات أحدهما لتلبية تعطشها، إما السعي في سبيل ممارسة حقوقها، وإما اللواذ والاحتماء بدرع قبلي أو طائفي أو دوغمائي يمنحها تعويضًا وشعورًا بالتفوق والتمايز والاستحقاق الأعلى.

يُزعم باطلًا أن المرأة القطرية لم تطالب ولم تسع لنيل حقوقها السياسية، وواقع الأمر أن المرأة في مجتمعنا لم تمتلك قط منبرًا ولا منصة للتعبير والإعلان ولم تستطع تحرير طاقاتها الحبيسة حتى إنها تحايلت لكي تعبّر عن نفسها من خلال أنشطة اجتماعية تطوعية – ولفترة وجيزة – من خلال ما سُمي بالفرع النسائي لجمعية الهلال الأحمر القطري. ظهر الفرع في عام 1982 بوصفه رغبة مجتمعية وبجهود نخبة من السيدات وكان عملًا تطوعيًا وأهليًا خالصًا وكان بحق أول تنظيم نسوي بمجلس إدارة ترأسته السيدة مريم جاسم الدرويش وشاركت عضوات منه في محافل نسائية خليجية بصفة غير رسمية وبادرن إلى حضور اجتماعات تنسيق العمل النسائي في الخليج على نفقتهن الخاصة وسرعان ما أُوقف العمل الأهلي وتم حل مجلس الإدارة وتولى الهلال الأحمر الإشراف على مقر الفرع وتم تعيين مديرة تتبع المدير التنفيذي منتدبة من جهة عملها منذ عام 1983 وتعاقبت المديرات المنتدبات حتى تم الاستغناء نهائيًا عن الفرع في عام 2000.

كان الفرع في عامه الأول علامة بارزة للعمل الأهلي النسوي الذي أُجهض باكرًا ولو أُتيح له الاستمرار أهليًا، لكان لدينا اليوم في قطر جمعية نسائية مستقلة لها فروع وصفوف من القيادات النسوية والإسهامات البارزة.

وهذا يقودنا إلى اختلال السيرورة التراكمية التي تدأب المجتمعات على استمرارها جيلًا بعد جيل وإلا أصبحنا مجتمعات تخرج من الصحراء صفر اليدين وكأنه لا نفط مر من هنا ولا تنمية ولا بشر يسعون في الأرض.

تذكر الكاتبة الصحفية مريم آل سعد في مقال نُشر في الراية عام 2010 أن ثمة جمعية نسائية تنتظر الموافقة على إشهارها ولكنها قيد البحث والدراسة في وزارة الشؤون الاجتماعية «آنذاك» وإنها قد دُعيت للانضمام إلى تلك الجمعية وحضرت اجتماعات توالت خلال شهور مع من وصفتهن الكاتبة بأنهن «عقول مبدعة من مجموعة سيدات يمثلن الأستاذة الجامعية والمختصة العلمية والمديرة التنفيذية وسيدة الأعمال والتربوية… إلخ» وعكفت المؤسسات – بمعاونة قانونيين – على صياغة النظام الأساسي للجمعية وتقول الكاتبة «واكتشفنا في سعينا.. أن هناك عطشًا لوجودها من المرأة القطرية فقد توالت الاتصالات والرغبات بالانضمام إلى «تلك الجمعية» التي لم تر النور قط.

وقد أخبرتني مؤخرًا صديقة عن نخبة لاحقة من السيدات سعين بدورهن إلى تقديم طلب إشهار جمعية نسائية! من يدري كم مرة تحركت النخب القطرية النسائية ودفعت باتجاه إيجاد جمعية نسائية انطلاقًا من رغبة المجتمع وحاجته إلى التعبير والتجمع والتنسيق وأداء الأدوار.

لئن كان الدستور الدائم قد جاء على شكل منحة من خلال لجنة إعداد الدستور المعينة – وليست المنتخبة – فإن سعيًا حثيثًا سبق ذلك بعقود وتجسد في عرائض شعبية ونخبوية ظهرت في لحظات تاريخية وطالبت بالتمثيل وبالمشاركة في القرار السياسي وباءت بالفشل ثم يأتي بعد ذلك من يردد في تحليلات سقيمة متملقة أن تأخر الإصلاح السياسي سببه عدم وجود مطالبات شعبية !

ليس شيء أفدح ظلمًا من أن يُقال بأن المرأة القطرية أو أن المجتمع القطري لم يطالب بحقوقه ولكنه قدر المجتمعات الصغيرة، أنها كيانات قابلة للاحتواء ومن السهل توجيهها والتحكم فيها.

تقف القطرية اليوم بين تجربتين قريبتين منها: تجربة المرأة الكويتية في مجلس الأمة المنتخب من جهة وتجربة المرأة السعودية في مجلس الشورى المعين من جهة أخرى، أما الكويتية فقد اكتسبت حقوقها بعد نضال ومطالبات وخاضت الانتخابات بدون «كوتا» وكان أهم نجاح لها عام 2009، حيث حصدت أربع مقاعد وإن لم تحصل في الانتخابات الأخيرة على أي مقعد بالرغم من كثافة المشاركة النسائية، حيث شكلت النساء ما نسبته نحو 52% من إجمالي عدد الناخبين.

بينما خاضت المرأة السعودية معاركها بشرف وصلابة وقاومت تيارات محافظة ومتشددة حتى استجابت السلطات التي لم تعد تستطيع مقاومة العصر ومتغيراته وجرى تعديل نظام مجلس الشورى في 2013 وحصلت السعودية بالتعيين على ما نسبته 20 بالمئة من المقاعد وقد أتمت السعودية عامها الثامن في المجلس وتقلدت امرأة مؤخرًا لأول مرة منصب مساعد رئيس مجلس الشورى. وبغض النظر عن أن أغلب توصيات العضوات في المجلس قد قوبل بالتعطيل والرفض إلا أن العضوات اشتغلن خلال السنوات الماضية بفتح ملفات مهمة مثل تمكين السعودية في الحياة العامة وفي سوق العمل وملف الولاية واشتراطاتها وقضايا المعنفات وقد نفذت قرارات من خارج المجلس فصدرت أوامر ملكية بقيادة المرأة للسيارة وتم تعيينها في مناصب قيادية فما يعطله المجلس تنفذ الحكومة منه ما تراه مناسبًا وكأن المغزى من إنشاء مجالس الشورى- في نهاية المطاف- هو تهيئة المجتمع أو تحميته أو قياسه أو إلهاؤه أو امتصاص غضبه أو توجيه استيائه إلى مقدمي المقترحات والتوصيات!

يتعين علينا- نحن القطريات – الاستئناس بالتجربتين، حيث تصارع كل من الكويتية والسعودية أعاصير المجتمع المتزمت من جهة وأساليب ومنهجية عمل المجالس التي يهيمن عليها مناخ الإعاقة والتسويف والإبطاء من جهة أخرى.

إن المرأة رقم صعب في الانتخابات ولسوف ترتفع أعداد الناخبات في قطر وتفوق نسبة الناخبين، إذ إن أفواجًا من الذكور تنضم سنويًا إلى الكليات العسكرية وأكاديمية الشرطة وكلها غير مسموح لمنتسبيها بالتصويت.

حري بالمرأة -إذًا- أن تنتفع بحصة وافرة من التعيين لتحقيق تمثيل المرأة مادام المجتمع يعلن أنها نصفه، وأن أمامها تحديات جمة فعسى أن تجتاز المرأة – بصمودها ودهائها- المحاذير القاهرة.

وليست المرأة الوزيرة في الحكومة مثل المرأة العضو في مجلس الشورى حتى لو كانت في الحالتين معينة وليست منتخبة ! ولست أتعامى عن انضمام أربع نساء بالتعيين منذ عام2017 إلى مجلس الشورى بنظامه الحالي وقد عجز «جوجل «أن يُظهر لي في البحث أي نتائج تتعلق بنشاطهن !! بيد أنني موقنة بأن المجلس المنتخب يتيح مساحة تختلف قليلًا عن الحالي «وإن لم ترق إلى وظائف البرلمان» وأدرك كذلك أن لدى الناخبين والناخبات اليوم أدوات تعبير ورقابة تتزايد فاعليتها من خلال السوشيال ميديا.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X