كتاب الراية

هنا والآن.. دار الكتب القطرية

دار الكتب القطرية من أقدم المكتبات الوطنية الخليجية والعربية وتضم أكثر من 1200 مخطوط ومقتنيات نادرة

المكتبة الوطنية في كل مجتمع ليست مخزنًا للكتب ولكنها مخزون الفكر

في حوالي عام 2002 برزت رغبة في إنشاء مكتبة وطنية حديثة، والانتقال من المبنى القديم في دار الكتب القطرية، وكان هناك بالفعل مشروع قائم لإنشاء مكتبة وطنية قد يذكره بعضكم، فقد وُضع تصميم هندسي رُفع على موقع إلكتروني، وكان الموقع المختار على الأرض بجوار موقع البريد العام، وقد وُضعت الأساسات للمبنى، وكان الشكل الهندسي مثيرًا للإعجاب، ثم ألغيَ المشروع في حوالي 2008.

عندما تأسست المدينة التعليمية فيما بعد، ظهرت الحاجة الملحة إلى إنشاء مكتبة مركزية تتوسط الجامعات الست في المدينة، لكي يتم توحيد موازنات المكتبات في موازنة واحدة لمكتبة رئيسية تخدم كل طلاب الجامعات، وأقيم مبنى المكتبة المركزية على مساحة شاسعة وفقًا لأحدث معطيات التكنولوجيا، إلا أنها لم تزود بمواقف، فقد كانت تستهدف طلاب الجامعات المحيطة بها كالسوار والذين يتنقلون على أقدامهم.

ثم أعلن عن خطط المكتبة الوطنية الجديدة في 19 نوفمبر 2012 خلال حفل أقيم بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لمكتبة دار الكتب القطرية ومنذئذ بدأ السعي إلى تحويل مكتبة المدينة التعليمية إلى المكتبة الوطنية في البلاد. وفي سعيها إلى ضم الإنتاج الوطني وكل ذخائر دار الكتب القطرية ومقتنياتها، لكي تغدو بديلًا عنها، جرت محاولات مستمرة من (المكتبة الوطنية) لسحب قانون الإيداع إليها، إلا أن الإشكالية المعيقة تجسدت بطبيعة الحال في تبعية (المكتبة الوطنية) إلى مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وقد احتجت قطر فونديشن بأنها وإن كانت جهة خاصة إلا أنها ذات نفع عام كما أن موازنتها تأتي من الدولة، إلا أن الأمور لم تستقم ودفعت -في نهاية المطاف- باتجاه صدور قرار سمو الأمير رقم (11) لسنة 2018 بإنشاء مكتبة قطر الوطنية، ونُشر القرار في الجريدة الرسمية في الرابع من ديسمبر 2018، وذكرت المادة (2) أنه تنشأ هيئة عامة تسمى (مكتبة قطر الوطنية) ويكون لها شخصية معنوية وموازنة تلحق بالموازنة العامة للدولة وتنص المادة (5) على أن يتولى إدارة المكتبة مجلس أمناء يشكل من رئيس ونائبه وعدد من الأعضاء، وقد عين د. حمد بن عبدالعزيز الكواري رئيسًا وبحسب علمي فإن مكتب مدير المكتبة لم يزل شاغرًا بينما تتولى السيدة مشاعل النعيمي الإدارة العامة. لقد ذُكر في الصحف المحلية بأن المكتبة الوطنية افتتحت رسميًا في منتصف أبريل 2018 وفي خبر آخر أنها دشنت رسميًا في 8 ديسمبر 2018 بتوقيع شهادة الافتتاح الرسمي للمكتبة، وفي خبر ثالث (أعلنت مكتبة قطر الوطنية افتتاحها أمام الجمهور في التاسع من نوفمبر 2017 وذلك بعد مرور خمس سنوات على تدشينها حيث أصبح بإمكان كل أفراد المجتمع زيارة المبنى الجديد). وقد بدأت المكتبة ذاتها العمل باعتبارها المكتبة المركزية للمدينة التعليمية منذ عام 2011.

عندما أعلن عن خطط المكتبة الوطنية الجديدة، كان ثمة مشروع لإزالة مبنى دار الكتب القطرية إلا أن توصية من مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع أوقفت ذلك الأمر المريع وجاءت موافقة من المكتب الهندسي الخاص بإنقاذ المبنى التاريخي وترميمه وإعادة افتتاحه باعتباره مكتبة عامة كما بلغني على ذمة مصدر من وزارة الثقافة أكد بأن المبنى سيكون مكانًا لعرض المخطوطات بعد إعادة افتتاحه.

ونما إلى علمي كذلك بأنه لم تزل هناك مداولات ومشاورات حول مشروع رقمنة الموجودات الثمينة من مخطوطات ووثائق كانت مذخورة في مخازن دار الكتب وقد تعرض بعضها للتلف. ويبدو أنه بدواعي تقليص الموازنة خلال السنة الماضية تم الاستغناء عن حوالي نصف الموظفين في قسم الرقمنة، لذلك فإنه من المرجح أن يتأخر المشروع برمته وقد ينجز-في أحسن الأحوال- بعد ست سنوات!!

تُعد دار الكتب القطرية من أقدم المكتبات الوطنية الخليجية والعربية، وقد تأسس المبنى بدور واحد في 1962 وأضيف الدور الثاني في مطلع الثمانينيات ويضم مقتنيات نادرة من مخطوطات وخرائط قدرت بأكثر من 1200 مخطوط في الفلك والحساب والطب والكيمياء مكتوبة بالعربية والفارسية والتركية.

وليست المكتبات العامة في البلاد أحسن حالًا من دار الكتب القطرية، وهذه المكتبات هي: مكتبة الخور ومكتبة الشمال ومكتبة الخنساء ومكتبة الريان (مغلقة بحسب علمي) ومكتبة الوكرة ومكتبة الشيخ علي بن عبدالله الوقفية (وهي تابعة لوزارة الأوقاف وتعاني الإهمال وقلة الموظفين وضآلة المخصصات).

لم تتحول المكتبات العامة إلى نظام المكتبات الرقمية، ولم توضع خطط لتطويرها وتنمية مقتنياتها وتلبية احتياجات المستفيدين منها ولا الارتقاء بمستوى خدماتها، ولم يتسن لها مواكبة متطلبات العصر بإطلاقها لأنشطة وفعاليات ثقافية منتظمة وجاذبة وموجهة لمختلف الفئات تشمل الحوار والمعارض والندوات والمحاضرات والبرامج التعليمية والتثقيفية والورش التفاعلية! كلا لم يحدث شيء من ذلك!

وفوق ذلك كله.. ماذا لو كانت هناك نية مبيتة وعزم حثيث على دمج المكتبات العامة بالمراكز الشبابية؟ ألن تكون لذلك نتائج كارثية على كل المراكز والمكتبات معًا؟ ألن يعني ذلك دقًا للمسمار الأخير في نعش المكتبات العامة؟

وما معنى ذلك أصلًا؟ كيف يتشارك مركز شبابي ومكتبة في المقر ذاته مناصفة؟؟ وماذا سيصبح؟ كوكتيلًا! وهل يُعدّ ذلك من باب تقليص الموازنة أم ترشيدها؟

تلك المكتبات التي لم تزل بيوتًا وفللًا مستأجرة بعضها قديم ومتهالك وليست أبنية مصممة ولا مملوكة للدولة! تلك المكتبات التي لم تزل مجرد أرفف ونظام إعارة قديمًا وزيارات مدرسية تقليدية ولم يُفسح لها المجال قط أن تضع برامج وتقيم أنشطة وجسورًا بينها وبين محيطها! هل يعقل أن ثمة هدرًا ماليًا على المكتبات وهي بلا أنشطة تُذكر ولا إنفاق؟

تذكروا بأن الصروح الضخمة ووسائل التكنولوجيا، لا تخلقان المؤسسات الفاعلة، وأن (المكتبة الوطنية) في كل مجتمع ليست مخزنًا للكتب ولكنها مخزون الفكر، وهي ليست مكانًا للجمع والواجهات بل لتشكيل هوية وصياغة مشاريع، وهي لا تحوي خرائط ومخطوطات مرقمنة بل تحفز الإرث الوطني والإنساني، وهي ليست معرضًا لتوريد الكتب وتنفيع دور النشر «المحظوظة» بل لتلبية الحاجات الثقافية والبحثية لأهل البلد وتوفير المنشورات التي تتماشى مع التقدم والعقلانية والانفتاح في حيز عام يتمتع بالحد المعقول من الحريات العامة المكفولة.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X