fbpx
كتاب الراية

مداد القلم.. تويتر وترامب

بدا غريبًا على العالم حجب حسابات الرئيس الأمريكي على مواقع التواصل

حجب الحسابات جاء بسبب تأجيج العنف والتظاهر في مبنى الكابيتول

إن كنا نُقر أن ترامب قد نال جزاءه إلا أن مُعاقبته صحوة مُتأخرة جدًا

الواقعة ستؤسس لبوادر استقطاب حول منصات جديدة تؤطر لتحزّب تقني

التوازن في قواعد الشركة يُفترض أن يكون عامًا حتى لو كانت الشركة خاصة

بدا غريبًا على المُجتمع الديمقراطي والعالم بأسره الإغلاق النهائي الدائم لحساب الرئيس ترامب المُنتهية ولايته على «تويتر» الجمعة الماضي 8 يناير، حيث قام «تويتر» وفيسبوك والإنستجرام ويوتيوب وسناب شات بتعليق مؤقت لحساباته كإجراءات عقابية ضده بسبب تأجيجه العنف والتظاهر في مبنى الكابيتول، كما حذف موقع يوتيوب مقطعًا يدعو فيه أنصاره للانسحاب من الكونجرس، مُستغلًا الفرصة للتحدث عن تزوير الانتخابات. وهذه نقلة جديدة لقوّة السُلطة الخامسة التي عاقبته عقوبة جماعية لمسّه الأمن الوطني.

وأي رئيس؟.. من أحدث ارتباكًا في إدارة دفّة السياسة عبر «تويتر»، ليس في إطار التغريدات المجنونة أو الإقالة والتعيين لوزراء دولته وترويج الأخبار الكاذبة واستغلاله في معارك كورونا والدعاية حول الانتخابات، بل في اللعب على وتر السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للدول من خلال المنصة الأكثر قُربًا إلى قلبه والأكثر ارتباطًا بالسياسة على المُستوى العالمي. ترامب الذي هدّد يومًا ما موقع «تويتر» بأنه سيُغلق شركته إثر رد فعلها على تغريداته بعد احتجاجات مينيابوليس إثر مقتل جورج فلويد. بدأ بعدها مؤسس تويتر – جاك دورسي – بوضع علامة تعجب على تغريداته مع جملة تحفّظ.

وإن كنا نُقر جميعًا أن ترامب قد نال جزاءه، إلا أن مُعاقبته على التحريض على العنف وسوء استخدامه لموقع «تويتر»، تُعد صحوة مُتأخرة جدًا من «تويتر» وحتى أخواتها وعلى رأسها «فيسبوك»، وسيكون لها أثرها في الانقسام في دولة المؤسسات العميقة، بل وستؤسس لبوادر استقطاب حول منصات جديدة تؤطر لتحزّب تقني.

«تويتر» يدّعي أنه يقوم بتحقيق التوازن بين ضرورة «تمكين الجمهور من الاستماع مُباشرة إلى المسؤولين المُنتخبين وقادة العالم ومُساءلة السُلطة في العلن على ألا تكون هذه الحسابات فوق قواعد الشركة».

ولكن التوازن في تحقيق قواعد الشركة يفترض أن يكون عامًا حتى لو كانت الشركة خاصة، خصوصًا وكلّنا يعلم أن هناك ضغوطًا كثيرة قد مُورست من قبل على شركة «تويتر» كي يُعامل حساب ترامب مثله مثل غيره من المُستخدمين دون تمييز في مواقف أخرى لا يقل فيها تحريضًا، ولكنها كانت في إطار دولي لا محلي أمريكي. ولكن موقع «تويتر» لم يفعل!، ومع ذلك يدّعي بأنه «سيُواصل التحلي بالشفافية بشأن سياساته وتنفيذها».

الشفافية في سياسته لا تعني الشفافية في التنفيذ، فبسبر أغوار كواليس مقرها الرئيس أو الإقليمي يؤكد أنها انتقائية منذ البداية، فرد فعل «تويتر» ما كان ليُتخذ إلا عندما طال التحريض عُقر دار السياسة الأمريكية ومبنى الكابيتول هيل. ركّز «تويتر» على مُحتوى تغريدتين لترامب بعد خطاب الخميس حلّلها في سياق الأحداث ونمط السلوك واللغة المُستخدمة في الأسابيع الأخيرة. خشي «تويتر» من أن تُلهم تغريدات ترامب لتكرار أعمال عنف أخرى، خصوصًا أن الشركة توصّلت في تحليلها للتغريدات إلى ما صرّحت به من «التوترات المُستمرة في الولايات المتحدة، والارتفاع الطفيف في المُحادثة العالمية فيما يتعلق بالأشخاص الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021». كما وصلت إلى أن «خططًا لاحتجاجات مُسلّحة مُستقبلية بدأت في الانتشار في تويتر وخارجه، منها هجوم ثانوي مُقترح على مبنى الكابيتول، 17 يناير2021 القادم».

ولكن سوء استخدام «تويتر» و«فيسبوك» وغيرها من المنصّات الرقمية التي طالما قضّت مضاجع العالم وحملت ارتفاعًا ملحوظًا في المُحادثات العالمية في العنف بل وإنشاء الجماعات الإرهابية الضمنية، وآثار فيها ترامب وغيره من أدعياء الديمقراطية دعوات للفتن والعنف والتحريض لا يزال ماثلًا، وتكيل فيها المنصّات الرقمية بمكيالين، كان أبرزها حظر شركة «فيسبوك» المُحتوى الفلسطيني وإغلاق صفحاتها بأمر من إسرائيل بل وتطوير خوارزمياتها للتصدي للحق بكلمات مفتاحية مُحدّدة مُرتبطة بالقضية الفلسطينية، هذا حين غضّت الطرف عن دعوات القتل والتحريض الإسرائيلي ضد الفلسطينيين العُزّل، والتهاون في استخدام منصة «فيسبوك» لدعوات التحريض ضد المسلمين في سيريلانكا، وضد الروهينجا، وحسابات الاستقطاب والتجييش الإلكتروني لجماعات الإرهاب، فضلًا عن حملات التهديد والعنف التي شنّها سياسيون ومُستشارون مُتنفذون خليجيون ضد شعوبهم على «تويتر» والتي ساهمت في حوادث قتل أو اغتيالات وتصفيات أو سجن. هذا فضلًا عن إنشاء جيوش إلكترونية وحملات عنف وكراهية ودعوات لغزو واعتداء ضد دولة قطر، ساهمت في حملات من الكراهية بين الشعب الخليجي وتأجيج الفتن والعُزلة الخليجية السابقة.. أين كانت إدارة تويتر منها؟.

وفي مُفارقة حين لم توجّه أمريكا ومن يُمثّلها تحرّكًا واحدًا لشركة «تويتر» ضد المُحرّضين على العنف والمُتنفذين في السيطرة على منصات التواصل بدعوى أنها شركة خاصة، كان الوجه الآخر لشركة تويتر نافذًا، ولكن وفقًا لأجنداتها في المنطقة، حيث كان أداة للسياسة الأمريكية وأبلوا منه بلاءً حسنًا في ظل «الحركة الخضراء» في ظل الاحتجاجات على انتخاب أحمدي نجاد عام 2009، وفيه طلبت هيلاري كلينتون (الخارجية) من إدارة «تويتر» أن تؤجّل الصيانة الدورية للمنصة وقتها إلى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية الإيرانية حيث كان موقع تويتر هو النافذة الوحيدة التي تنقل للمُجتمع الأمريكي والدولي أخبار الانتخابات بعد تعتيم نجاد وسائل الاتصال على شعبه، وفيه طالب أحد مُستشاري الأمن القومي للرئيس الأسبق جورج دبليو بوش بمنح «تويتر» ومؤسسيه جائزة نوبل للسلام عام 2009.

كما كان لـ «تويتر» دور كبير في إضافة خدمة Speak to Tweet

#speak_2_Tweet في ظل حجب كل وسائل الاتصال في الثورة المصرية حين هيّأ «تويتر» ومكتب الشرق الأوسط «جوجل» في دبي رقمًا دوليًا على 1800 الأمريكي للاتصال المجاني وتسجيل التغريدة شفويًا لكي تبثها شركة «تويتر» باسم صاحب الحساب، وكأنّ حجبًا لم يكن.

سياسة الشركات في دعم إيجاد منصات حرّة للشعوب ضد الظلم والعنف مطلوبة ولكن الانتقائية وفقًا للأجندات السياسية لأمريكا وإسرائيل مرفوضة.

الموضوع عاد إلى الأضواء بقوة بعد حظر حساب ترامب، ولكن على عكس مُعطيات العقد السابق، اتُّهم موقع «تويتر» بمُصادرة حرية الرأي والتعبير، وانقسم الديمقراطيون والجمهوريون حول الإجراء لمُخالفته التعديل الأول في الدستور الأمريكي، وكان متوقعًا ألا يسكت ترامب فصرخ في بيان نشره البيت الأبيض وظهر على «تويتر» قبل أن يتم حذفه «لا يمكنك إجبارنا على السكوت»، وهو يتهم العاملين في «تويتر»، «بالتنسيق مع الديمقراطيين واليساريين الراديكاليين» – كما وصفهم – لإزالة حسابه.

كيف لا و«تويتر» يُعد المنصة الأكثر قوة في السياسة واستخدامًا ونفوذًا لرؤساء الدول. أدركه باراك أوباما مُبكرًا فكان من أوائل مُستخدميه من الرؤساء منذ عام 2007، لذلك صنع له مكانة إعلامية أهّلته لاستخدام «تويتر» بنجاح في انتخابات 2012، ولكن وفقًا للمعايير والضوابط الأخلاقية.

ترامب يحترق الآن في نهاية حقبته، وهو الذي حقق تصدّرًا على كل رؤساء العالم في عدد المُتابعين المُقدّر ب 88 مليونًا فضلًا عن تصدّر الرقم الثاني في فيسبوك والثالث في إنستجرام.

ووفقًا لإحصائية دراسة عام 2020 Twiplomacy الشيء الجديد والمُتوقع في ظل هذه المعارك السياسية في النفوذ، هو التنافسية التقنية التي ستشهد أمرين: 1- منصّات بديلة وتشرذم دولي تقني يهيئ لجولة جديدة من التجمهر في المنصات والعوالم الافتراضية. حيث جاء رد ترامب:

«سنجري مُحادثات مع العديد من المواقع الأخرى وقريبًا، سيكون لدينا إعلان كبير». ولم يُفلح فيها!، حيث حجب عنه «بارلر» من قبل جوجل وآبل وأمازون.

2- الخصخصة الرقمية أو ملكية المنصات الخاصة!، استقطاب سياسي تقني جديد أو فلنسمه «تشرذم وانقسام»، خصوصًا في ظل وصول التجّار إلى سُدة الحكم والسعي للتكاثر الرقمي الخاص للمنصات، حيث ردّ ترامب «نحن أيضًا ندرس إمكانية إنشاء منصتنا الخاصة في المُستقبل القريب».

«تويتر» ومنصّات التواصل (السلطة الخامسة) تمضي إلى أبعد من ذلك، لذلك يجب أن يكون لدولنا حضور رقمي واعٍ أمام هذا العالم الافتراضي السياسي والتنافس الصاعد بقوة في مجال صناعة التطبيقات.

والسؤال الجدير بالطرح، الذي نردّ فيه اليوم على كثير من الباحثين التقليدين الذين تشكّكوا يومًا ما في هذا السؤال الذي فرض نفسه: ما الدور الذي يلعبه «تويتر» ومنصات التواصل في عمليات التحول السياسي؟، وما مدى تأثيرها على النفوذ الشعبي للسياسيين على مستوى العالم؟، خصوصًا أن السؤال ليس محور تأثيره على الديكتاتوريات القديمة أو الديمقراطيات الناشئة فحسب، بل حتّى المُجتمعات الديمقراطية الراسخة التي انقلب فيها السحر على الساحر!.

 

إعلامية وأكاديميّة قطرية

دكتوراه في دور الإعلام الاجتماعيّ في الحراك السياسيّ والتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في منطقة الخليج العربيّ

@medad_alqalam

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X