كتاب الراية

هنا والآن.. الذاكرة.. مكان

من المؤسف أن ينطوي التعاطي عمومًا مع المباني التاريخية على عبث في المكان وتغييره وينصبّ الاهتمام على تعتيق المكان

كل موروثنا لم يعد ممارسًا ولا قابلًا للممارسة ولا حاضرًا ولا يمكن استدعاؤه واندثرت أدواته في مجتمعات ما بعد النفط

يذكر الفنان فرج دهام في ورقة عنوانها (الهدم والبناء في مدينة الدوحة) نشرت في موقع د.علي بن خليفة الكواري، بأن هناك حالة معمارية جديدة قد طرأت تمحو الأولى فيما يدعى (التدمير الخلاق) وأن الهدم أصبح الحركة الأكثر حضورًا وبروزًا ووضوحًا وسرعة في السنوات الأخيرة وكأنه اندفاع محموم وحثيث لإزالة القديم من الطريق. وتناول دهام في ورقته مسألة تحول المكان إلى وظيفة، وهي احتواء الفئات المستهدفة من المقيمين والوافدين والسياح وارتباط ذلك بمفاهيم تحديث التقاليد وتحديث المجتمع، وأشار إلى المفارقة في (مقاربة معمارية في سوق واقف من حيث الشكل بتوليف تخيلي، ليس له حضور سابق يمكن الرجوع إليه).

ولعله يشير هنا إلى طبيعة عملية الصيانة وما رافقها من تغيير وإضافة تفصيلات واستخدام مواد غيّرت واجهة المباني ولونها والإحساس بها وفبركت واجهة من الشبابيك والسلالم الإكسسوارية التي ألحقت بسوق واقف ولم تكن موجودة أصلًا وليس لها أي وظيفة حقيقية وهي كذلك بلا قيمة عاطفية ! مجرد واجهة وشكل سياحي ليس إلا.

من المؤسف أن ينطوي التعاطي عمومًا مع المباني التاريخية على عبث في المكان وتغييره وينصبّ الاهتمام على تعتيق المكان بما يسبغ عليه إيحاء التقادم وتجري إعادة تصميم المكان بحسب مقتضيات الترويج لخدمات الفندقة والمطاعم وإيجاد واجهات الفرجة السياحية وتوظيف الصورة النمطية للتراث لتسويق الاحتفالات والفعاليات الموسمية.

لقد شهدنا إزالة الأحياء القديمة بالكامل في وسط المدينة القديمة، في البدع والمرقاب والرفاع والجسرة ومشيرب وأم غويلينة والسلطة وغيرها ! تعرضت جميعًا لاجتثاث كامل !!

لا أعلم أي تخطيط أو عشوائية، ترتيب أو ارتباك تتبعها انشعابات المدينة التي لم تزل (ورشة كبرى) تتعرض للإقحامات والمشاريع وبناء جسور وأنفاق ومحطات مترو.. إلخ، ولم تزل المناطق والأحياء والفرجان تضيق وتشيخ وتموت بسرعة خلال عقدين أو ثلاثة وينتقل الناس منها ويغيرون منازلهم في كل مرة ويبدؤون من جديد!

ولطالما كان التنقل سمة حياة أهل قطر، وقد تنقلنا خلال سنوات طفولتي أكثر من عشرين مرة ننتقل من المكان ونعود إليه في محيط المرقاب وأم غويلينة والرفاع والسلطة إلا أن المكان غدا لاحقًا مؤقتًا وهامشيًا وخاليًا من أهله، فعلى سبيل المثال ثمة مناطق جرى فيها بناء أول مساكن شعبية مثل المنصورة ونجمة في مطلع السبعينيات، وبنيت مدينة خليفة في مطلع الثمانينيات بشماليها وجنوبيها حتى تمددت إلى غزة وابتلعتها (وغزة اسم حي بين الغرافة والريان) بينما خرجت أغلب العائلات القطرية من الريان القديم في منتصف السبعينيات وجرى توزيع أراضٍ لكل عائلة أو فخيذة، كل على حدة، على تخوم الريان أو أبعد منها كما خرج أهل المرقاب بعد القص والتثمينات. ومعظم تلك المناطق الجديدة التي انتقل إليها القطريون سرعان ما ضاقت بأهلها وتحولت بعد عقدين تقريبًا إلى عشوائيات مزدحمة ومبانٍ آيلة للسقوط وارتحل عنها الكثير من قاطنيها من القطريين الذين سكنوها في أول عهدها (مثل مدينة خليفة الشمالية وابن عمران والهتمي وغيرها).

أتوقع أن يستمر ديدن التنقل والارتحال بوتائر متفاوتة، فأكثر المناطق مهما كانت جديدة ومرموقة تشيخ بسرعة وتتعرض مبانيها لضغوط إنشائية كإضافة طابق وبناء ملاحق ويطبق عليها الزحام وتعلق في مشروعات (أشغال) ويغادرها القطريون عاجلًا أو آجلًا. وعلى الأغلب سوف تتمدد خريطة سكنى نسبة كبيرة من القطريين، شمالًا أو جنوبًا بحسب تخطيط الأراضي الحكومية.

نشرت دوحة نيوز في عام 2014 تقريرًا عن أعمال حفر وتنقيب قرب أسواق الدوحة، جنوبي مركز فنار الثقافي الإسلامي، حيث وجدت حوائط وأساسات ومواد وأدوات منزلية يعود تاريخها إلى منتصف القرن 19 وقد منح فريق التنقيب شهرًا ونصف الشهر لإكمال عملهم قبل تسليم الموقع لتنفيذ محطة مترو سوق واقف إلا أن النجاح في العمل دفعهم إلى طلب تمديد لشهر آخر، وأكد ساكال رئيس الفريق أنهم يحاولون معرفة المزيد عن الحياة اليومية لسكان المدينة الأوائل بدءًا من: متى تأسست الدوحة ؟ وكيف عاش أولئك الناس ؟ وقال: «نحن لا نحفر عن أشياء نحن نحفر لإنقاذ أدلة التاريخ نريد أن نستخرج قطع اللغز» لأنها على حد تعبيره «بمجرد أن تضيع، فسوف تضيع إلى الأبد».

لقد كنا قرى على الساحل، مجتمعات شفوية بسيطة، تجمعات صغيرة شبه مغلقة تمارس ذاكرتها الحية وتعيشها يوميًا وتزاول حياتها وتورثها للخلف ولا تعاني أي تأزم أو خوف أو عجز. ثم انتهت مرجعية الحياة التقليدية وحضورها المادي وكل متعلقاتها وأساليبها ووظائفها وطرق البشر الذين أقاموا فيها.. ولم يعودوا كذلك.

انعدم تراكم التجارب الحياتية بسبب الطفرة التي سببها استخراج النفط وهو حدث طارئ وآتٍ من الخارج، قلب نمط الاقتصاد شبه الإقطاعي، إلى ريعي استهلاكي وأنشأ علاقات اجتماعية وأدوارًا غيّرت وجه المجتمع بصورة دراماتيكية وزئبقية.

لقد كان اكتشاف النفط واستخراجه حدثًا دراميًا انعكست آثاره وانداحت في المنطقة وما حولها بسبب طفرات الثروة الطارئة إلا أن وجود النفط ليس أمرًا مستمرًا، فمن المرجح انهيار أسعاره بعد عقدين أو ثلاثة، والاستغناء عنه باعتباره طاقة ملوثة ومكلفة، وثمة بدائل تفضلها، فإذا اختفت عائدات النفط.. هل سنختفي كذلك ؟ من نحن اجتماعيًا وثقافيًا ؟ لسنا سوى تشكلات زمن النفط وفقاعاته وأنماطه وأشباحه،

إن موروثنا وفولكلورنا كله من أوله لآخره، منفصل عنا، تم تجاوزه، تم دحره ونسيانه، كل موروثنا كالحرف والفنون والعمارة والأزياء وحتى تهويدة الأطفال والحزاوي والألعاب والأغاني الشعبية وكل شيء تقريبًا لم يعد ممارسًا ولا قابلًا للممارسة ولا حاضرًا ولا يمكن استدعاؤه ولم يعد عمليًا وزالت وظائفه واندثرت أدواته في مجتمعات ما بعد النفط.

لقد ضاعت مقتنيات ومواد أرشيفية أو دمرت وأودى الهدم بما كان وأتى البناء بما ليس له أصل ولا ارتباط أو منفعة منظورة وهكذا وجدنا أنفسنا وكأننا قد ولدنا توًا وكأننا نشرع في بناء ذاكرة من الصفر ! والحاصل أن هذا النمط من المجتمعات، يغدو مطواعًا وقابلًا للتحكم فيه ويصبح من السهل توجيهه والتلاعب في وعيه، وعيه الذي يواجه تهديدًا مباشرًا بمحو الذاكرة وتحولها إلى نصوع هش يقبل أي شيء يلصق ويلحق به، فمن المعروف بأن المجتمعات التي تفقد الذاكرة تميل إلى خلق ذاكرة بديلة أو تنزع إلى التحصن بذاكرة جمعية ماضوية جاهزة، ولأننا لم نستطع أن ننخرط طوعيًا وبثقة في ثقافة عصرية مدنية ولم نتبنَ التحولات ونستوعبها ونتفاعل معها ولم نبنِ منظومة أهلية تخصنا وتعنينا فقد انزلقنا لقمة سائغة في أحشاء غول (الصحوة)، الصحوة التي كانت في الحقيقة سكتة دماغية ابتلعتنا وغيبتنا في بحور الظلام.

لا جرم أن يخشى الناس الذين أزيلت منازلهم ومعالمهم أن يتعرضوا للإزالة أيضًا.

أما مواليد الألفية الأخيرة، فقد خرجوا وكأنهم نبتوا من العدم، وكأن لم يكن ثمة شيء قبلهم ! أجيال تحمل حنينًا مبالغًا فيه للأمس القريب لأن زواله السريع المفاجئ أشعرهم – كما يشعرنا – بالخوف وبأننا غرباء في المكان أو كأن المكان هو الذي يفقد ذاكرته ويلفظنا كالنواة.

 

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X