fbpx
كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. شجرة الدر شهيدة المنصب

بعد مقتل شجرة الدر عملت «أم علي» طبقًا بهذه المناسبة السعيدة لها وخلد الطبق في الموائد العربية

في شتاء عام ١٢٥٠ حشد لويس التاسع ملك فرنسا جيشًا كبيرًا بغرض الاستيلاء على مصر، استبسل المصريون في الدفاع عن وطنهم وقاتلوا قتال الأبطال ضد جيش يفوقهم عددًا وعدة، سمّيت هذه المعركة الحاسمة بمعركة المنصورة.

خلال احتدام المعركة حدث أمر كاد أن يُنزل الهزيمة بجيش المسلمين، فقد توفي الملك الصالح أيوب ملك مصر، وهو يحتضر كانت بجانبه زوجته الشابة الذكية شجرة الدر، لفظ أنفاسه الأخيرة رحمه الله وهو يحمل هم تلك المعركة ويقودها، شجرة الدر وهي تعلم الموقف الحساس الذي تتعرض له الدولة، أخفت خبر الوفاة عن الجميع، وقامت بعدها بإدارة شؤون المعركة بكل حرفية بمراسيم باسم زوجها، لم يشعر القادة والجنود بشيء مما حدث.

انتصر المصريون في هذه المعركة ووقع لويس السادس في الأسر، انتصار مدوٍّ تناقلته الألسن وقام الناس بتهنئة بعضهم والفرح بهذا العمل البطولي، فرح معهم جميع المسلمين وبدا كأنهم في يوم عيد بهذا الظفر، كدّر صفو هذا الانتصار ظهور خبر وفاة الملك الصالح، حزن الناس لهذا الخبر، فقد فقدوا عاهلًا عطوفًا شجاعًا قدم لهم الكثير، وزاد إعجاب الناس بتصرف زوجته الحازمة الحكيمة شجرة الدر، والتي أدارت المعركة بحرفية وتحقق الانتصار الكبير بثباتها، الأمر الذي أهلها لتصبح حاكمة مصر، حيث لم يسم الملك الصالح أحدًا ليخلفه.

الموقف يبدو غريبًا ويحدث لأول مرة في العالم الإسلامي حين تبوأت شجرة الدر هذه المكانة السياسية وأصبحت هي رأس الدولة، تُصدر الأوامر بالتعيينات والعزل وكثير من القضايا الهامة، والدعاء لها في خطبة الجمعة باسم السلطانة أم خليل، وهي من الأمور السيادية والتي يحرص عليها الخلفاء والأمراء.

الأمر لم يتقبله الكثيرون، وبدأت أصوات الاحتجاج تتوالى كان في بدايته خافتًا في المنتديات الخاصة ثم بدأ يعلو، أصبحت تلك الأصوات مسموعة، وتطور الأمر إلى خروج بعض الفتاوى الشرعية بعدم جواز ما حدث، زاد الطين بله رسالة جاءت من بغداد مرسلة من الخليفة العباسي افتقرت إلى أدنى درجات الدبلوماسية والاحترام، حيث كتب متهكمًا وساخرًا «إذا انعدم لديكم الرجال أخبرونا لنرسل لكم واحدًا».

وتحت هذا الضغط الكبير آثرت شجرة الدر البحث عن رجل تستتر خلفه وتضعه في الواجهة، وفعلًا عزمت على هذا الأمر فتقدم إليها رجلان، فارس الدين أقطاي وعز الدين أيبك، أرسل كل شخص منهم أحد قادته ليقدمه لها، مندوب أقطاي كان الفارس «بيبرس» وهو بطل لا يُشق له غبار، في ساحات المعارك منذ نعومة أظافره، غليظ القلب لا يوجد في قلبه مكان للعاطفة، ولم يعرف سوى فنون القتال والطعن بالرماح، سمعت منه شرحًا وافيًا عن بطولات سيده في ساحات الوغى ومحاربته أعداءه ولم يتجاوز هذا الجانب.

«قطز» المرسول الآخر هو مندوب عز الدين أيبك في محاولة الظفر بالسيدة شجرة الدر، كان رقيق المشاعر وقد مرّ في السابق بتجربة عاطفية جميلة، قصةُ حبٍّ سَامِية لم يُكتب لها التمام حيث افترق مع من يحبها، أخذ يتحدث عن سيده بهذا الجانب، جانب سمو المشاعر والحب وما يملكه سيده من مشاعر جياشه في اتجاه من يُحب، أخذ يُسهب في الوصف ونجح في دغدغة مشاعر السيدة الرصينة الحصيفة شجرة الدر.

ذهب خيارها لمن أحسن مندوبه تقديمه وهو عز الدين أيبك وتزوجته، وبعد مدة أخذ يسحب منها البساط حتى لم يبق لها من النفوذ شيئًا، وحينما أحست بخُسارة مُلكها تآمرت مع جواريها ودخلوا على زوجها وقتلوه في انقلاب دموي، لم يسكت رجال أيبك فقد التفوا حول ولي الدم ابنه «علي» للانتقام من القاتلة زوجة أبيه، كان معهم في التحريض والدته «أم علي»، وفعلًا دخلوا عليها وقتلوها، ولمزيدٍ من التشفّي بها رمت «أم علي» جثمان شجرة الدر من فوق القلعة.

بعد مقتل شجرة الدر عملت ضرتها أم علي احتفالًا كبيرًا ابتهاجًا بمقتلها، وزعت حلوى عبارة عن خبز غارق في الحليب ممزوج بالعسل، حتى يومنا هذا التصق اسمها بهذا الطبق، مَن منّا لا يعرف طبق «أم علي».

ختامًا رغم خطئها الأخير ولكن الدعاء لله بأن يرحم شجرة الدر «السلطانة أم خليل» فقد كان لها موقف رائع في يوم من أيام الإسلام الخالدة، دافعت بشجاعة عن وطنها ودينها في أحلك الظروف، وأسأل الله أن يتجاوز عنها في زلتها الأخيرة.

 

Twitter:khalifa624

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق