المنتدى

انهيار الإمبراطوريّة الأمريكيّة

كل ما يُقال هو احتمالات والجائحة تفتك بالجميع

بقلم /بابكر عيسى أحمد:

في الثامن من نوفمبر 2020، وفي هذه المساحة كتبتُ تحتَ عنوان «الديمقراطيّون يطرقون الأبواب في أمريكا»، قلتُ فيه: «اكتشفتُ أنّنا لسنا وحدَنا الهمجيّين والفوضويّين والمُتمسّكين بالسُّلطة بأيّ ثمنٍ، فالسلطةُ – كما يقول البريطانيون- «داء عضال»، وفي ذلك الوقت بدأ الصراعُ بين الجمهوريّين والديمقراطيّين على أشدِّه، وتعالت أصواتُ التشكيك والتخوين والتهديد في مُواجهة الآخر، حتى بدأ السباقُ نحو البيتِ الأبيضِ، لا ينتهي حتى يُعلنَ رسميًا الفائزُ بالرئاسة.
حتى كتابة تلك السطور لم يكن الأمرُ قد انحسمَ بصورة نهائيّة، وإن كان الديمقراطيّ جو بايدن يتقدّم السباقَ، فيما يواصل دونالد ترامب عنادَه المعهودَ ورفضَه الاعترافَ بالهزيمة، وهو ما يهدّدُ بانقسامِ المُجتمعِ الأمريكيِّ في سابقةٍ غيرِ معهودةٍ في بلدِ الديمقراطيّة».
في 15 نوفمبر 2020 وتحتَ عنوان «ترامب حالة إنكار تحمل المفاجآت»، قلتُ في ذات المساحة: «إنّ حالةَ الإنكارِ التي يمارسُها ترامب أعادت إلى الذاكرةِ عددًا من الدكتاتوريّين الصغارِ مثل بيونشيه في تشيلي، ودوفالييه في هايتي، وبوكاسا في إفريقيا الوسطى، وموجابي في زمبابوي، بعد أن اتّضحت الرؤيةُ في انتخابات الرئاسة الأمريكيّة بفوز بايدن ونائبته كمالا هاريس».
وقلتُ يومَها: «إنه من الشائن والمُخزي أن تمرَّ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ بهذا المصيرِ البائس وأن تتحوّلَ إلى جمهوريةٍ من «جمهوريات الموز» وعمليةُ الانتقال السلمي للسلطة ما زالت تُواجه بالعقباتِ والعراقيلِ والاحتمالاتِ وسيناريوهات غير محتملةٍ في حالةِ الإنكار الراهنة».
وقلتُ: «إن الإنكارَ وحالةَ المماطلة والتسويف قد تتسببُ في أضرارٍ كبيرةٍ لصورة أمريكا في الوجدان العالميّ»، بل وذهبتُ إلى أبعد من ذلك وقلتُ: «إنَّ بايدن قد يتعرّضُ لمُحاولة اغتيالٍ وغيرَه من الديمقراطيّين، وهو ما حذّرت منه وكالةُ الاستخبارات المركزيّة الأمريكيّة.
لو كان ترامب شخصًا طبيعيًّا لما ذهبتْ بنا الظنونُ إلى هذا الأفقِ السوداويِّ القاتمِ، ولكن لا أحدَ يدري كيف يفكّرُ الرجلُ والذين يحيطون به، والذين ما زالوا يتحدّثون عن أحقّيته بولايةٍ ثانيةٍ في البيت الأبيض، يعلمُ اللهُ وحدَه كيف ستكون».
عندما حدثت واقعةُ الهجومِ الهمجيِّ على مبنى الكونجرس وتعريض حياةِ النوابِ من الجمهوريّين والديمقراطيّين وحتى نائب الرئيس مايك بنس للخطر، تيقّن الجميعُ أن صفحةً جديدةً في التاريخِ الأمريكيِّ تُكتبُ، وأنّ البلادَ تقفُ على أطرافِ أصابعها، وأنَّ أفقَ الاحتمالاتِ مشحونٌ بكل ما هو خطيرٌ وينذرُ بالكثير.
وتحت عنوان «تفكُّك أمريكا» نشر البروفيسور الكنديُّ ويد ديفيس في مجلة «رولينج ستون» رؤيةً صادمةً حول مُستقبلِ أمريكا مُذكّرًا بواحدةٍ من المُسلّماتِ والحتميّاتِ التاريخيّةِ، وهي أنّه «لا إمبراطوريةَ تدومُ إلى الأبد، وكل مملكةٍ تُولد لتموت»، وضرب ديفيس عدةَ أمثلةٍ من التاريخ، واستنادًا إلى معطياتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وعسكريةٍ اعتقد ديفيس أنَّ أمريكا بدأت في الوهنِ والتراجعِ منذ ثلاثةِ عقود، وأن جائحةَ كورونا أعلنت بدايةَ الانهيارِ الفعلي، لأنّها كشفت جوانبَ الضعف المتعدّدةَ، وقال إنَّ موتَ ألفَي مواطنٍ أمريكيٍّ في يومٍ واحدٍ بسببِ كورونا يُعطي انطباعًا بأنّ أمريكا أصبحت دولةً فاشلةً.
عندما وقعت «فاجعةُ الكابيتول» أطلق أحدُ الرؤساء السابقين صفةَ «جمهورية الموز» على أمريكا، والمُثيرُ للدهشةِ أنّ الذي صاغ مصطلحَ جمهورية الموز هو الكاتبُ الأمريكيُّ أوليفر هنري (1862 – 1910) لوصفِ جمهوريةِ أنكوريا في كتاب الكرنبِ والملوكِ (1904)، وهو مجموعةٌ من القصصِ القصيرةِ ذاتِ الصلةِ بالموضوعِ والمستوحاة من تجاربِه في هندوراس، وبعدها انتشرت الشركاتُ الأمريكيّةُ في أراضي أمريكا الوسطى ومنطقةِ الكاريبي.
يوهان جالتونج العالِمُ النرويجيُّ المُتخصصُ في قضايا السلامِ والمجتمعِ ومؤلّفُ كتاب «سقوط الإمبراطوريّة الأمريكيّة» والذي تنبّأ من قبلُ بانهيارِ الاتحادِ السوفييتي، وحدثَ ذلك، وتوقّع انفجارَ الثورة الإيرانية عام 1978، وتمّ الأمرُ، وتوقّعَ أحداثَ الحادي عشر من سبتمبر، وهو ما تحقّقَ… وتوقّعاتُ جالتونج لا تنبعُ من فراغٍ، فهو كتبَ أكثرَ من 1000 مقال، وألّفَ أكثرَ من 100 كتابٍ.
كلُّ هذه الأحداثِ والحكايات تتراكمُ، ومازال هناك أيامٌ تفصلُنا عن موعدِ تنصيبِ الرئيسِ المُنتخبِ جو بايدن، وكاذبٌ من يظنُّ أنه يملكُ تصورًا كاملًا عما ستؤولُ إليه الأحداثُ المُتسارعةُ بعدَ أن أصبح الرئيسُ المنتهيةُ ولايتُه ترامب أوّلَ رئيسٍ في التاريخِ الأمريكيّ يتعرضُ للعزلِ مرتَين خلال ولايتِه والممتدة لأربعةِ أعوامٍ، تنتهي في العشرين من يناير الحالي.
كيف سيكونُ العالمُ في المرحلةِ القادمة؟ لا أحدَ يملكُ الإجابةَ، ولكنّ سحابةً قاتمةً تغطّي سماءَ الواقعِ الدوليّ بأَسرِه، فأمريكا- أيًّا كان رأيُنا فيها- ما زالت تمثّلُ الثقلَ الأكبرَ في عالمِ اليومِ مع ملاحقةٍ ساحقةٍ من الصين التي تتقدّمُ الصفوف.
الاحتمالاتُ كثيرةٌ ومثيرةٌ، ونحنُ كشهودٍ على العصرِ نقفُ مشدوهين من تداعي الأحداثِ بعد أن تكرّسَ انشقاقُ المُجتمعِ الأمريكيّ، وحدثت بداخله شروخٌ يصعبُ علاجُها في المُستقبلِ القريب.
نحنُ كعالمٍ ثالثٍ لن يكونَ لنا أيُّ تأثيرٍ في الأحداثِ الجاريةِ، وسنقفُ- كما قلتُ مشدوهين- نراقبُ براكينَ العنفِ المُتفجّرِ في الداخلِ الأمريكيّ، وسنظلُّ نبحثُ عن كتفٍ نتّكئ عليها، ونحن نُواجه تحدياتٍ تفوقُ قدرتَنا على الفعلِ، وعلى التأثيرِ في الأحداث.
لقد سرقت تطوّراتُ الأحداثِ في أمريكا الأضواءَ من جميعِ القضايا الأخرى، بينما ما زالت الجائحةُ تفترسُ الدولَ بما فيها أمريكا نفسُها، وفي ظلِّ هذه الظروفِ تخرجُ علينا منظمةُ الصحّة العالمية بتصوّراتٍ مُتشائمةٍ من أنَّ هذا الفيروسَ اللعينَ سيستمرُّ معنا خلالَ الأعوامِ القادمة، وأنَّ العامَ الحالي سيكون أسوأَ من الذي سبقَه.
كيف سيكونُ الحالُ في المُستقبلِ القريبِ والبعيد؟، من جديدٍ أقولُ: لا أحدَ يدري، وكلُها توقّعاتٌ واجتهاداتٌ يمكنُ أنْ تُصيبَ ويمكنُ أنْ تُخطئ، ولا نملكُ في هذا المنعطفِ سوى الدعاءِ بأن يحفظَ اللهُ البشريةَ من التطوّراتِ الخطيرةِ، ومن تمدُّدِ الجائحةِ التي ما زالت تشكّلُ الخطرَ الأكبرَ ليس علينا فحسب، بل على الأُسرةِ الإنسانيّةِ كلِّها.. والحافظُ هو الله.

العلامات
اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق