كتاب الراية

خواطر … لا شيء بلا مقابل

ماذا سيستفيد الجاسوس الوهمي من اهتمامنا بالبحث عن شركة تأمين صحي أو صيانة منزلية أو مصفف شعر؟

مرة أخرى يثار الجدل حول سياسة الخصوصية على تطبيقات الهواتف الذكية مثل «واتساب» بعد فرضه شروطًا جديدة سوف تحظر مستخدميه إذا لم يوافقوا على مشاركة بعض بياناتهم مع شركة «فيسبوك» المالكة للتطبيق وتخصيص مساحة للتفاعل مع الإعلانات.

لا بد أننا أسرفنا كمستهلكين في استخدام أجهزتنا الإلكترونية ولم نعد نفارقها فأصبنا بداء التعلق والإدمان لذا هُدّدنا بالحرمان، بعد أن كنا سببًا من أسباب نجاح تلك التطبيقات وارتفاع أسهمها رغم أنها مجانية!

وبغض النظر عن أهداف التطبيقات ومزاياها التي ظنناها بلا مقابل، بينما لا تعمل أيّ منها إلا من خلال الإنترنت الذي ندفع ثمنه لشركات الاتصالات التي لا تحمينا من سوء الاستخدام والاختيار بعد أن أدلَيْنا طواعية بمعلوماتنا الشخصية وبياناتنا الرسمية التي قد لا توجد في ملفاتنا الرسمية لدى الوزارات.

ببساطة شديدة نحن من سجل في تطبيقات التسوق عبر الإنترنت مقاييس الجسد وعنوان المنزل ورقم البطاقة البنكية، كذلك في تطبيقات الحمية الغذائية والساعات الإلكترونية الطول والوزن والعمر لمتابعة معدل نبضات القلب والضغط ولحساب خطواتنا، وتنبيهنا لمواعيد الوقوف والمشي والتنفس وتناول الأدوية، كما أننا تسرّعنا حين استبدلنا كلمات المرور ببصمة العين والأصبع لحماية حساباتنا، رغبة بالتسهيلات وراحة البال، لدرجة أننا اليوم قلّما نتذكر أرقام هواتف ذوينا، فالروزنامة تُذكّرنا بالمواعيد، والخرائط الإلكترونية تُسيّرنا، ونسينا كيف كنّا نحفظ المعلومات والأماكن والتواريخ والأرقام والقصائد الجميلة.

هذا عدا مشاركتنا في الاستبيانات المختلفة عن الحالة الصحية وتحليل الشخصية والهوايات والميول الاستثمارية والفنيّة وما تراكم في خانة المُفضلة، كل ما سبق سهّل عمل الخوارزميات المُبرمجة ووسع فضاء الاحتمالات والتوقعات.

وبالرغم من علمنا بما أدلَيْنا من معلومات، إلاّ أننا ما زلنا نستهجن ذكاء الهواتف في تقديم مقترحات وحلول لمواضيع كنّا نتحدث عنها مع أحدهم وجهًا لوجه أو خلال «واتساب»، فوجدناها في اليوم التالي تقفز أمامنا وتظهر على الشاشة من كل صوب وحدب، فنتساءل كيف؟ هل هناك من يتجسس؟ وماذا سيستفيد الجاسوس الوهمي من اهتمامنا بالبحث عن شركة تأمين صحي أو صيانة منزلية أو مُصفف شعر أو حتى وصفة كعكة الشوكولاتة!

الجاسوس الإلكتروني كالمارد في مصباح علاء الدين، ينحني بلمسة منّا مُقترحًا علينا ما نحب ونشتهي من خلال الإعلانات التي تعود بالنفع على أصحاب التطبيقات وشركائهم.

عدما ظهر «فيسبوك» لم يكن يقدم إعلانات، لكن إعلاناته اليوم صارت كالذباب الذي كلّما ذُبَّ آب، وكذلك باقي التطبيقات، فلو سألنا محرك البحث عن أسعار الفضّة مثلًا ستنهال علينا قائمة المواقع الاستثمارية.

لقد تطورت الإلكترونيات المبرمجة لدرجة تمكين بعض التطبيقات من إنتاج مُجسّم لشخص ما بالأبعاد الثلاثية، يتكلم بصوته ويتحرك مثله فيما يشبه الاستنساخ، لكن الخداع البصري بالفبركة لم يعد ينطلي إلا على الجاهلين بالتكنولوجيا الرقمية.

الطريف أن من لم يتعامل سابقًا مع الأجهزة الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي اضطر خلال جائحة كوفيد-١٩ إلى استخدامها، لعدة أسباب أهمها العمل والملل والتعلّم عن بُعد، أليس كذلك؟

يهزأ من لا رصيد له في البنك من فكرة التجسس الإلكتروني، أيضًا من يقتصر استخدامهم للإنترنت على وسائل التواصل الاجتماعي أو متابعة الأخبار والموضة والمسلسلات وما إلى ذلك، يقول أحدهم ضاحكًا: أنا مفلس ولا يوجد في تليفوني سوى رسائل أمي وزوجتي وطلبات المطبخ والأولاد وشوية نكت وصور عليها صباح الخير وما شابه.. ليتجسسوا كما يشاؤون، فليس لدي ما أخاف عليه.

لكن لو فكرنا وفقًا لنظرية مؤامرة تخفيض عدد سكان العالم فربّما هذا هو المطلوب.. معرفة من ليس لوجوده أو عدمه أي فرق لهؤلاء، وتمييز المؤثرين والعلماء والأغنياء والفقراء، قد تبدو الفكرة ساذجة.. لكن إن صحّ ما شاهدناه من أفلام وثائقية عن الخيال العلمي الأشبه بالأعمال السحرية التي ظنناها غير قابلة للتنفيذ، عندها سنستوعب فكرة الإبقاء على الصفوة (بناء على تقييم المتآمرين) والتخلص ممن لا قيمة له بنظرهم باستبعاده أو استعباده! خاصة بعد أن قضت الجائحة على كثير من الأعمال وزادت نسبة البطالة والفقر، غالبية أفلام الخيال العلمي التي شاهدناها منذ زمن بعيد تحققت، وربّما عُرضت لاستقطاب المواهب والعقول التنفيذية.

وتستمر الحرب السيكولوجية، رئيسٌ يُنذر بإعلان الحرب ويليه من يقول إن القادم أسوأ، وعرّافٌ يتوقع هبوط كائنات فضائية! الكل يُهدّد ولم يبق سوى المتردية والنطيحة «واتساب» و»فيسبوك»، لم لا ونحن المليارات التي جعلتهما كفرعون وهامان؟

ونقول حسبنا الله ونعم الوكيل، يبقى إيماننا بآيات الله مصدر الأمان والبشائر: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» صدق الله العظيم

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق