fbpx
كتاب الراية

مداد القلم … «نحنُ» بين الخصوصية والقرين التكنولوجي

فيلم وثائقي حول كيفية تشجيع شركات التواصل على إدمان المنصات

يجب أن تكون للعالم وقفته لإجبار فيسبوك وغيرها على احترام الخصوصيات

من منكم لم تفاجئه منصة بإعلان أو تدوينات تتماشى مع اهتماماته؟

بتّ تفكرّ ما هذه الجنيّة التكنولوجية الماردة التي تفوّقت على الجنّ ذاته

تحدثت شفويًا عن منتج ما فإذا بقائمة Notes تعرض أسماء وأرقام المنتج

ما مدى اختراق وسائل التواصل لخصوصياتنا؟ سؤال يشغل بالنا جميعًا

هل في وسائل التواصل أي خصوصية؟،

من منكم لم تفاجئه منصّة من منصات التواصل بإعلان أو تدوينات تتماشى مع اهتماماته؟

كلّنا بالطبع فمن خلال ما نخطه فيها تتم ملاحقتنا بسيل من المعلنين وغيره مما يخترق خصوصياتنا.

في السابق كان من خلال «غوغل ميل» لأي كلمة مفتاحيّة وبعده من خلال الدردشة في منصات التواصل حتى أصبحنا مشاعًا لها.. وهذا ليس بجديد!.

الجديد اليوم أنك لن تستطيع أن تنطق ببنت شفة في بيتك حتى تجد ما تنطق به ماثلًا بالصوت والصورة، بل والأدهى من ذلك أنك واجدٌ ما تحدّثك به نفسك أمامك حتى لو كانت مجرد فكرة تراودك.. لدرجة أنّك بتّ تفكرّ ما هذه الجنيّة التكنولوجية الماردة التي تفوّقت على الجنّ ذاته.

كنت في لندن وأرسلت لي ابنتي من الدوحة رغبتها على الواتس آب، فإذا بي أجد إعلانًا للحقيبة ليس فقط في صورة منتج إعلاني منفرد بل وصورة الحقيبة المطلوب موديلها ذاتها مسندة على طاولة في أحد مقاهي الدوحة التي نرتادها والتي يتمتع ديكورها بذات لون الحقيبة، بل ويروّجها لنا إعلان تلقائي الظهور من خلال حساب وسيط شراء قطري Personal shopper على الإنستجرام..

المفاجأة هنا لم تكن في إبراز المنصّة الرديفة لعائلة مالك الواتس آب (مارك زوكربيرغ) للمنتج ذاته في منصة يملكها (الإنستجرام) من مجردّ تدوين اسم المنتج فهذا عادي ومتكرّر.. بل إن ما فوجئت به هو هذه الإمكانات التحليليّة الكبيرة المسخّرة لتتبع كل ما في هاتفي وهاتف المرسِل أي لكل مكونات وخصائص الجمهور المستهلك من خلال اختراق كل بيانات أجهزتنا والموقع الجغرافي للبلد بل وحتّى أدقّ خصائص ما يرتاده المستهلك من مقاهٍ بل وحتى إبراز البحث للون المنتج بشكل دقيق.. «بسم الله»

مثال أكثر خصوصية..

دون أن أقوم بتدوين أي كلمة، تحدثت شفويًا ذات يوم عن منتج مع مجموعة من النساء، فإذا بقائمة التخزين في المفكّرة اليومية Notes تعرض لي»النوت» الخاصة التي كنت قد خزنتها من قبل بأسماء وأرقام هذا المنتج على هاتفي هذا وقد كانت الشاشة مغلقة فضلًا عن إن الخاصية التجسسيةّ في «سيري» SIRI كانت مغلقة كليّة، لتأتي السكرتارية الرقمية الذكية وتخرج من المارد «شبيك لبيك»

هذا ما يُسمى الذكاء الاصطناعي AI اختصارًا ل Artificial Intelligence المرتبط بالخوارزميات في الشبكة الأم في وادي السيليكون.

ولكن إلى أي عمق وصل هذا الذكاء ؟

لكي نحللّ سأعطيكم مثالاً أدق في الاختراق.. أهدتنا أختي ليلة البارحة مدخنًا إلكترونيًا جديدًا محمولًا للجيب يعمل بال «Charge « أنا ومن حولي، فإذا بالإنستجرام يصبّحني بفيديو بالإعلان عن هذا المدخن بالذات، دون أن أدون لا كلمة ولا صورة فأرسلت رسالة مباشرة لمن كان في نفس الجلسة:»شوفوا.. سكّنهم في مساكنهم!» ردت علي إحداهن أنا أيضًا صحوت على ذات الإعلان.

ما مدى اختراق وسائل التواصل لخصوصياتنا؟

هذا السؤال ذاته يشغل بالنا جميعًا ولعلك أخي القارئ ستحزن إذا علمت أنك لست المصنّع ولا المنتِج بل إنك أداة في يد الأدوات التكنولوجية، حيث تطوّرها لخدمتك ولكنك لا تدرك خطورتها حتّى باتت تُشكل حياتنا وعقولنا. كيف لا وهي التي تتماشى بالفعل مع قاعدة قديمة بحثها وحللّها عالم الاتصال مارشال ماكلوهان منذ زمن طويل حين تنبأ بذلك بقوله «نحن نشكّل أدواتنا وبعد ذلك أدواتنا هي التي تُشكلنا».

واليوم وصلنا للمعضلة فهي لا تُشكل اتجاهاتنا وآراءنا فحسب بل عاداتنا وسلوكنا، بل أصبحنا نحن سلعة في يدها تحركنا كيفما تشاء فترسم باختراق خصوصياتنا هذه مسارات تحولات أيديولوجية أو سياسية مصيرية. يؤكد ذلك فضيحة فيسبوك 2015 عندما سرّب لشركة كامبريدج أناليتيكا للاستشارات السياسية البريطانية بطريقة غير مشروعة معلومات شخصية لما يُقدر بنحو 87 مليونًا من مستخدميها للتأثير على التصويت في موضوعين رئيسيين»البريكست»، وإعداد تحليلات عن الناخبين الأمريكيين، استخدمت فيما بعد للمساعدة في «انتخاب الرئيس دونالد ترامب في عام 2016.

فيسبوك زعم وقتها أنها وصلتها دون وجه حقّ هذا بعد أن تعرّض لانتقادات كادت أن تودي بالشركة، تعرّض فيها رئيسها فيما بعد للمساءلة أمام الكونجرس ودفع غرامة مالية وأدت به للقيام بتعديل وإضافة قيود صارمة وأدوات للخصوصية.

واتس آب.. والرّدة الجمعية!

يبدو أنّ توبة مارك زوكربيرغ لم تكن كاملة، حيث أعلن عن تحديث سيمكّن من مشاركة بيانات المستخدمين للواتس آب الذي استحوذت عليه شركته أيضًا لأطراف ثالثة مما يعرّض خصوصيتهم للخطر. صُدم مارك بالرفض العالمي والقوّة الجمعية التي أدبته بالقطيعة فأدّت لهجرة جماعية من الشركة إلى شركات «شات» بديلة عالمية ومحلية باتت تنافس الواتس على عرشه وسوقه، الأمر الذي دفعها للتراجع عن سياستها الجديدة أو على الأرجح تأجيلها حتّى لا تتأثر بها مظلتها العليا في جمهورية زوكربيغ «فيسبوك» فتُسقِط أسهمًا مجدّدًا.

شركة نتفليكس Netflix أطلقت في 9 سبتمبر 2020 فيلمًا وثائقيًا يشرح ويحلل أبعاد هذه القضية الخطيرة والمحيّرة بعنوان «المعضلة الاجتماعية» The Social Dilemma الذي وصف مؤخرًا بأنه أهم فيلم وثائقي على الإطلاق وركّز على كيفية تعامل شركات التواصل مع المستخدمين باستخدام الخوارزميات التي تشجع على إدمان المنصات، فضلًا عن تتبع سلوكياتنا البحثية والتقنية وتجميع بياناتنا الشخصية لاستهدافنا بالإعلانات والدعاية التي لا ينظمها قانون ولا تزال خارج الأطر القانونية في مجال حفظ خصوصياتنا إلى يومنا هذا.

الفيلم عرض المشكلة ولم يعرض الحلول!.. ولكن تتبع سلوكنا الإلكتروني في خوادم وادي السيليكون وإمكانية استخدامها أو تسريبها لأطراف ثالثة مثير للدهشة بل للرعب في عملية التحكم التي قد تقود جمهوريات التكنولوجيا بالدعاية السياسية فيها العالم فوق النظم الدولية القانونية.

يجب أن تكون للعالم وقفته الجمعية لإجبار فيسبوك وغيرها من الجمهوريّات التقنية على احترام الخصوصيات وهذا رهن القوة الجمعية والمنافسة التقنية التي يجب أن تفكّك القطبية التقنية في التحكّم العالمي. معسكر الشرق دخل المعركة التقنية ونافس بجدارة، على أننا نحن العرب يجب ألّا نلحق الركب فحسب ولا نتبعه بل نلتمس فيه موقعًا في الصدارة كما أثبتت تركيا اليوم وهذا رهن المرحلة القادمة.

كاتبة وإعلامية وأكاديمية قطرية

دكتوراه في دور الإعلام الاجتماعي في الحراك السياسيّ

والتحوّلات الاجتماعية والسياسيّة في منطقة الخليج العربي

Twitter: @medad_alqalam

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X