المنبر الحر
شخصية اعتبارية الأفكار

الإنسان كلما اتسعت معارفه نمت شخصيته

بقلم/ عبدالعزيز محمد الجابر:

الأفكار هي مجموع العوامل التي يكتسبها الفرد من خلال ممارساته في الحياة، فتتكون من المعرفة والتجارب والتجسير بين العلوم، وشخصية الإنسان عبارة عن أسلوب عام منظم نسبيًا لنماذج السلوك والاتجاهات والمعتقدات والقيم والعادات في بيئة ثقافية معينة، فكلما اتسعت معارفه نمت شخصيته، فتزداد شيئًا فشيئًا حتى تنفك عن صاحبها لتصبح الأفكار بمثابة شخصية اعتبارية لها كيان مستقل ومشتملة على الأفكار والعادات والاتجاهات المتمثلة في البيئات والأنظمة، فهي تبقى بعد موت أصحابها، وتنتقل من هنا إلى هنا فتؤثر في الأفراد والمجتمعات والدول، فتقلبها من حال إلى حال، ومثال على ذلك ما ساهمت به نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو الذي صدّرها بمقولته الشهيرة: «يولد الناس أحرارًا ولكنهم يقيدون بالأغلال أينما ذهبوا»، حيث كانت مصدر إلهام لبعض الإصلاحات السياسية والثورات في أوروبا، خاصة في فرنسا. ومن ذلك أيضًا نظرية آدم سميث في الملكية الخاصة، حيث نقلت المجتمع الإقطاعي إلى مجتمع رأسمالي.

وأما تأثير الأفكار على الأفراد فهو أجلى وأوضح فتصبح لديهم ديانة وعقيدة لا يجوز الخروج عليها، وتورث من جيل إلى جيل حتى تكتب الوصاية والعهود والمواثيق على حراستها ومعاقبة مخالفيها. وهو ما دعا بعض الفلاسفة كالقديس أوغسطین والغزالي وديكارت إلى ممارسة الشك المنهجي بهدف تفريغ العقل من الموروث والمشوه من المعلومات، حتى يفكر فيها بنفسه دون أن يتأثر بفكر من سبقوه. ولهذا انبثقت لدى ديكارت قواعد التفكير في كتابه الذي أسماه «قواعد لتوجيه الفكر» بهدف اكتساب المنهج ومعرفة منزلة العقل في الحياة.

وما أحوجنا في هذه الآونة لقواعد التفكير، لا سيما مع انتشار الأخبار والمعلومات بسرعة مذهلة جعلت العالم لا ينتظر الأخبار بتوقيت معين ولا يعتمد على مصدر معين، ويتجلى ذلك بشكل واضح في وسائل التواصل الاجتماعي التي بنت جسور التواصل مع الآخرين في شتى أنحاء العالم، وسهلت انتقال المعلومات والأفكار، الأمر الذي يتضح تأثيره في سلوكنا العام وأنماط حياتنا في المجتمع على المدى البعيد.

ويتمحور في هذا المقام تساؤل مفاده: لماذا نحتاج لقواعد التفكير في حياتنا اليومية؟ ويتفرع عنه سؤالٌ آخر: ما هي القواعد التي نحتاجها؟

وقبل الإجابة دعنا نضرب مثالًا من حياتنا اليومية لكي نيسر الأمر ونوضحه، لو افترضنا أنك على وشك السفر وتريد شراء ملابس، واصطحبت معك أصدقاءك لمساعدتك على الاختيار، وفي كل مرة تلبس فيها قميصًا أو حزامًا تختلف آراؤهم: هل هذا مناسب أم غير مناسب؟ وأيهما أليق بك، القميص الثاني أم الأول؟ وفي كل سنة يحصل معك نفس الحال. ولو كنت تعلم قواعد الأناقة والموضة لتجنبت هذه المشاكل، وربما تستغني عن مشورة أصدقائك في اختيار الملابس، فقواعد الأناقة تعلمك على سبيل المثال أنك لو كنت سمينًا فعليك مراعاة الملابس التي تحتوي على خطوط عمودية، لأنها تخلق وهْم النحافة، وأنه يفضل ارتداء القمصان على «التيشيرتات»؛ لأنها تجعل مظهر الجزء الأعلى أكثر تناسقًا مع الجزء السفلي، وتساعدك كذلك على اختيار الأفضل بارتداء ألوان غامقة تناسب الجزء الأعلى من الجسم، كما أنها تضع لك معايير لتنسيق لون الحذاء مع الملابس، فتخبرك أن الحذاء الأسود مثلًا قد لا يتناسب مع «الجينز» الفاتح، ونحو ذلك.

وهذا الحال الذي قد تعيشه مع أصدقائك هو حالنا مع مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي فنتلقى النصح والإرشاد من «الفاشنيستات»، ونتابع يومياتهم الخاصة، وربما نقتدي بهم ونقارن حياتنا بحياتهم، والسؤال المطروح هنا، أين تكمن المشكلة؟

تكمن المشكلة في أن مواقع التواصل الاجتماعي تقوم على الممارسات الثقافية والاجتماعية، حيث تختلف تلك الممارسات من سياق ثقافي إلى آخر، فتشكل مواقع التواصل الاجتماعي أبنية معرفية يتخذها غالب الناس مصدرًا للمعرفة.

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق