المنبر الحر
يوم اقتحام الكونجرس

ما حدث هو من أبناء التجربة الأمريكية سياسيًا واجتماعيًا وعنصريًا

بقلم/ عبدالبديع عمر خلف الله:

سوف يتوقف التاريخ ونحن جميعًا طويلًا أمام ما شهدته أمريكا في الأيام الماضية ولا تزال تشهده. نعني بالطبع ما حدث لأول مرة في التاريخ عندما اقتحم الآلاف الكونجرس الأمريكي في ٦ يناير ٢٠٢١ يوم التصديق علي نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية وما تبع ذلك من تطورات معروفة. لهذه التطورات المذهلة أبعاد كثيرة جدًا ومتشعبة ومعقدة وتنذر بنتائج كبيرة، لكن البعد الأكبر الذي ارتبط بها هو أن بيت الديمقراطية بدأ ينهار أمام العالم أجمع وأمام الأمريكيين أنفسهم.

على امتداد العقود الماضية، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أصبحت فيها القوة العظمى الأولى والأكبر في العالم، قدمت أمريكا نفسها للعالم على اعتبار أنها تُعد المثال الأعلى للديمقراطية والحرية الذي يجب أن يقتدي الجميع به في كل وقت وحين. صحيح أن الحديث عن أزمة الديمقراطية الأمريكية ليس جديدًا، ولن يكون جديدًا، والحديث عن زيف الحريات في أمريكا ليس جديدًا ولن يكون كذلك. لكن الذي حدث مع التطورات الدرامية الأخيرة والأحداث المتلاحقة أن هذا الحديث انتقل من حيز الآراء النظرية والتنظير، ومن حيز آراء المفكرين والساسة في دول العالم إلى أرض الواقع المحسوس والملموس أمام الأمريكيين أنفسهم.. الذي حدث أن تمثال الديمقراطية الأمريكية بدا يتحطم وينهار أمام الكل.

الذي حدث في أمريكا كان بالفعل أمر مذهل حقًا، ليس فقط لأن اقتحام الكونجرس بهذا الشكل الغوغائي يحدث لأول مرة في تاريخ أمريكا، ولكن بسبب كيفية حدوث هذا الاقتحام البربري لمؤسسات الدولة؟. كثيرون في أمريكا وصفوا ما حدث بأنه محاولة انقلاب متكامل الأركان قاده ترامب. وهذه هي الحقيقة بالتأكيد.

الرئيس الأمريكي ترامب هو الذي حرّض أنصاره بمختلف توجهاتهم وأهدافهم صراحةً على التوجه إلى الكونجرس في الوقت الذي كان يصوت فيه على النتائج النهائية لانتخابات الرئاسة التي فاز بها بايدن لاعتمادها والتصديق عليها. كان المقصود الوحيد هو محاولة إجبار الكونجرس بالقوة والعنف والإكراه على عدم اعتماد نتيجة الانتخابات وإعلان فوز بايدن. وهذه تعتبر بالفعل محاولة انقلاب.

فعل الرئيس الأمريكي ترامب هذا لأنه يؤمن بشدة بأن انتخابات الرئاسة تم تزويرها في كل مستوياتها المحلية والفيدرالية، وأن النظام الانتخابي الأمريكي فاسد، والديمقراطية الأمريكية فاسدة، والمؤسسات الأمريكية بما فيها ومن فيها حتى مؤسسة القضاء فاسدة.

ترامب يؤمن وما زال بهذا ومعه قلبًا وقالبًا نحو أكثر من 70 مليون أمريكي صوتوا له في الانتخابات، وهذا في حد ذاته أمر مذهل للعالم أجمع وللأمريكيين، أمر مذهل أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو الذي يعتبر أن ديمقراطيتها فاسدة ونظامها السياسي وانتخاباتها فاسدة.

بالمقابل، يعتبر الديمقراطيون وحزبهم ومعهم أيضًا قطاع واسع جدًا من الشعب الأمريكي أن الفاسد هو رئيسهم ترامب، رئيس أمريكا. وليس هذا فحسب بل وأكثر، بل إنهم مع التطورات والأحداث الأخيرة اعتبروا أن رئيسهم ربما أصبح يُمثل خطرًا شديدًا على البلاد وعلى الأمن القومي للدولة، ومحاولة عزله على الرغم من أنه لم يبق سوى ساعات على رحيله من السلطة ومن المؤكد إدانة الرئيس ترامب ليصبح أول رئيس في تاريخ أمريكا يُدان مرتين ويترتب على ذلك وقف مخصصاته التقاعدية ومنعه من ممارسة السياسة مستقبلًا.

والذين اقتحموا الكونجرس الأمريكي قلعة الديمقراطية الأمريكية وقلبها النابض كما يطلقون عليه، لم يهبطوا أيضًا من الفضاء أو جاءوا من دول أخرى.. هم أبناء التجربة الأمريكية سياسيًا واجتماعيًا وعنصريًا.. هم أبناء تاريخ طويل وتجربة طويلة أفرزت هؤلاء بكل أفكارهم ومعتقداتهم وتصرفاتهم. إذن، سواء من وجهة نظر ترامب وأنصاره، أو من زاوية وجهة نظر خصوم ترامب وأنصارهم، أو من زاوية ما حدث فعلًا ويحدث، فإنه في المحصلة النهائية بداية تهاوي بيت الديمقراطية الأمريكية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق