كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. أرسل لبيبًا  ولا تُوصه،،،،

رجع العالم إلى أجواء الحرب العالمية الثانية.. وأعيد القائد للعسكرية لدقائق ليسحب جنديه من ساحة معركة انتهت من ثلاثين سنة

خلال الحرب العالمية الثانية طلب القائد (تانيجوشي) من معاونيه البحث عن ضابط لإحدى المهمات الاستطلاعية الهامة ووجد بغيته بعد أن تم ترشيح الملازم (هيروا أوندا) البالغ من العمر 23 ربيعًا، حين رآه لأول مره بخبرته الكبيرة توسم فيه الانضباط والذكاء، انفرد به القائد وطلب منه التمركز في جزيرة (لوبانج) الفلبينية، وطلب منه أن يستمر في القتال حتى لو أفنيت كل الفرقة التي سوف يرأسها إلى أن يصدر إليه تعليمات أخرى.

باشر الملازم (أوندا) في مهمته الموكولة له، وفي يوم 6 أغسطس 1945 حدث أمر غيّر مسار الحرب العالمية، فقد ألقت الطائرات الأمريكية القنبلة الذرية على مدينة (هيروشيما)، وبعدها بأربعة أيام أصيبت شقيقتها مدينه (ناجازاكي) بقنبلة أخرى، بعد العدد الكبير من الدمار والضحايا قرر إمبراطور اليابان الاستسلام.

تلك الأحداث الجسام لم تصل إلى الملازم (أوندا) بسبب فقدانه كافة وسائل الاتصال لوجوده في هذه الجزيرة النائية، واستمر في ممارسة مهامه القتالية بكل انضباط.

سحبت اليابان جميع وحداتها القتالية في كافة جبهات القتال، وألقت المنشورات على المناطق النائية لإعلام الجنود بالرجوع، ووقع المنشور في يد (أوندا) والذي لم يكترث به لاعتقاد أنها كذبة من الأعداء، واستمر في مهمته رغم فناء جميع أفراد فرقته، يقتات مما يتيسر له من الشجر والثمر والطيور.

أصبحت الغابة والتي يعيش بها (أوندا) مصدر خطر على الفلبينيين فطلبت حكومة الفلبين من اليابان التدخل لإنهاء هذه الإشكالية، فأرسلت اليابان مجموعة من الجنود لإرجاع الملازم (أوندا) وحين شاهدهم حصل اشتباك وأطلق عليهم النار ولاذ بالفرار لاعتقاده أنهم من الأعداء، وفشلت مهمة إعادته، واستمر السكون سنوات عدة وتعايش (أوندا) مع هذا السكون وشعر من خلال هذا الصمت المطبق بأن شيئًا ما حدث، لم يمنع شعوره هذا من الاستمرار في مهمته من دون ملل أو كلل.

في سنة 1974 خرجت بعثة طلابية يابانية إلى الجزيرة وهناك التقوا بالملازم (أوندا)، بعد أن وثق بهم وتفاجأ الطلبة بأنهم أمام (أوندا) وأخبروه أن اليابان كلها بانتظاره وحثوه على العودة معهم ورفض فكرتهم بالعودة، وأنه سوف يعود في حالة واحدة وهي الالتزام بالطقوس العسكرية حين يصدر الأمر من قائده (تانيجوشي) والذي وجهه لهذه المهمة من ثلاثين سنة وطلب منه عدم التراجع حتى صدور تعليمات منه مباشرة.

كان القائد (تانيجوشي) قد بلغ من العمر عتيًا وقد تحوّل (بعد تسريحه من الجيش) إلى بيع الكتب في أحد الحوانيت الصغيرة في طوكيو، تواصلت معه الحكومة وتم تكليفه بالسفر إلى الجزيرة والطلب من جنديه المنضبط العودة.

بعد وصوله الفلبين توجّه القائد (تانيجوشي) وهو يلبس زيه العسكري الإمبراطوري حيث مكان تواجد الملازم أوندا، وحينما شاهده جنديه أوندا هرول في اتجاهه وتأهب أمام قائده وأدى التحية العسكرية قائلًا: «الملازم أول أوندا في خدمتك سيدي» فأصدر القائد (تانيجوشي) آخر أمر في الحرب العالمية الثانية وأمر جنديه بالانسحاب من أرض المعركة، وهو في أشد العجب والزهو بضابطه الشديد الالتزام، وخلافًا للطقوس العسكرية والتي تبنى على القسوة والشدة وعدم الإفراط في المشاعر، لم يستطع القائد أن يمنع دموعه من التدفق لهذا المشهد الرائع والذي كسر معه كل قواعد العمل العسكري ليحتضنه بحميمية كابن وليس كجندي.

الشاب ذو ال 23 سنة حينما تلقى مهمته أضحى رجلًا بعمر 53 حين انتهت مهمته ولم تتغير رتبته، وللحظات رجع العالم دون أن يشعر إلى أجواء الحرب العالمية الثانية، وأعيد القائد (تانيجوشي) للعسكرية لدقائق بسيطة ليسحب جنديه المخلص من ساحة معركة انتهت من ثلاثين سنة، ليكتب الفصل الأخير لآخر جبهات الحرب المهلكة، انتهت الحرب العالمية الثانية الساعة الثالثة بعد منتصف الليل من تاريخ العاشر من مارس سنة 1974 مع ركوب (أوندا) الطائرة العسكرية عائدًا إلى اليابان.

رجع (أوندا) إلى البلد الذي أحبه ودفع أجمل سنوات عمره في سبيله وأفنى زهرة شبابه في مكان قصي للدفاع عنه، استقبل استقبال الأبطال، وتوقف قلب أوندا عن حب اليابان عام ٢٠١٤.

ختامًا السؤال الذي يطرح نفسه، هل أوندا قدم مثلًا في الانتماء الوطني؟ أم الانضباط العسكري؟ لا أعلم الإجابة، ولكن الأكيد أنه قدم درسًا تستخلص منه الكثير.

Twitter:khalifa624

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق