المنبر الحر

الديمقراطية العالمية تعرضت لزلزال عنيف في أمريكا

بقلم / طارق الثوابته :

في السادس من يناير الجاري تعرضت الديمقراطية في العالم لزلزال عنيف هز أركانها عندما تعرض مقر الكونجرس الأمريكي، مقر السلطة التشريعية الأمريكية، إلى الاقتحام والاستباحة والنهب وسط غياب مبرمج لأي نجدة من سلطات إنفاذ القانون في السلطة التنفيذية الفدرالية التي يقف الرئيس المنتهية ولايته ترامب على رأسها، والذي هو بالأساس من وجّه وحرّض هؤلاء المخربين على التوجه إلى هناك عبر خطاب ديماغوجي في محاولة منه للتشويش على تصويت الكونجرس على نتائج الانتخابات بهدف قلبها، لكن سرعان ما استعادت الديمقراطية الأمريكية زمام المبادرة خلال ساعات عبر تمكن أفراد الحرس الوطني من إخلاء الكبيتول من المخربين، وعاد أعضاء مجلسي الكونجرس للاجتماع وتم التصويت على نتائج تصويت المجمع الانتخابي بفوز جوزف بايدن.
بقدر ما عكس المشهد حجم الإرهاب الذي يكمن في التيارات الشعبوية اليمينية البيضاء المتطرفة قوميًا وعقائديًا بقدر ما عكس أيضًا قوة الديمقراطية الأمريكية ورسوخها في المؤسسة الأمريكية الحاكمة والتي سرعان ما انتقلت من مرحلة صد الهجوم والدفاع إلى مرحلة الهجوم عبر سعي الكونجرس المحموم إلى معاقبة هذه التيارات المتطرفة والتي وجدت في الترامبية حاضنة دافئة لتفريخ المزيد من التطرف والشعبوية ولم يكن هناك عقاب أفضل من إخراج ترامب من البيت الأبيض مطرودًا لوأد الترامبية وإلى الأبد، وذلك عبر تفعيل المادة 25 من الدستور الأمريكي الخاصة بعزل الرئيس، حيث نجح الكونجرس بغرفته الأولى «مجلس النواب» في التصويت لصالح عزل ترامب في انتظار تصويت الغرفة الثانية «مجلس الشيوخ» والذي سيحتاج إلى أصوات 17 من النواب الجمهوريين الذين من الواضح أن عددًا لا بأس به منهم أصبح يرى في ترامب عبئًا كبيرًا على الحزب.
لكن في المقابل، فإن كتلة وازنة في الحزب الجمهوري تدرك جيدًا أن التخلي عن ترامب الآن سوف يُفقد الحزب قاعدة جماهيرية كبيرة لجأ لها الحزب خلال العقدين السابقين لزيادة شعبيته التي كانت تتهاوى لصالح الديمقراطيين وهو ما أدى إلى تغيير كثير من أدبيات وتوجهات الحزب الجمهوري التاريخية والتي كانت ليبرالية تقدمية إلى مزيد من اليمينية والقومية وصولًا إلى الترامبية الحالية التي تبناها الحزب الجمهوري عندما دعم ترامب كمرشح عن الحزب في انتخابات الرئاسة للعام 2016.
إن الجمهوريين اليوم في وضع لا يُحسدون عليه، لأن خياراتهم في الأزمة الراهنة ستحسم لعقود قادمة مستقبل حزبهم. من هنا فإننا نرى أن الحزب ينتهج سياسة إمساك العصى من المنتصف التي يديرها مايك بنس، بحيث يتنصل من كل ما له علاقة بترامب والظاهرة الترامبية الشعبوية دون أن يخسر دعم قاعدته الشعبية من القوميين البيض الأنجلوسكسون، وهي وإن كانت مهمة صعبة فإنها ليست مستحيلة لكنها مهمة تمر بكل تأكيد بإنهاء أي مستقبل سياسي لترامب الذي قد يعني استمراره في الحياة السياسية إنشاء تيار ثالث في الخريطة السياسية الأمريكية، سيكون أول ضحاياه الجمهوريين أنفسهم.
إن ما حدث في واشنطن خلال الأسبوعين الماضيين ليس إلا رأس جبل الثلج مما يدور وراء الغرف المغلقة داخل التيارات السياسية اليمينية القومية المتطرفة، يظهر مدى قوتها وتغلغلها في المجتمع الأمريكي، وهو ما يعكس حجم العمل المهول الذي سيكون على عاتق إدارة بايدن في إعادة التوازن إلى المجتمع الأمريكي وخفض حدة الاستقطاب السياسي الذي أفرزته الحقبة الترامبية. في المقابل فإن على المؤسسات الثقافية والفكرية وعلى المفكرين الأمريكيين تدارك حجم الخطر الماثل من التوجهات والأفكار المتطرفة اليمينية والصدامية التي تكرس الانقسام وحتمية الصدام مع الآخر سواء أكان الآخر داخل المجتمع أو خارجه فهؤلاء يمهدون السبيل إلى الجحيم.

العلامات
اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق