المنتدى

تاريخُ الفكاهةِ في مصرَ 42

عاشَ صلاح جاهين وعاشتْ معه مِصرُ .. ترافقا معًا لحظةً بلحظةٍ وليلةً بليلةٍ ودمعةً بدمعةٍ

بقلم/ سامي كمال الدين.. (إعلامي مصري):

شبه الحنينِ إلى الوطنِ.. ومثل قصّةِ حبٍّ مُكتملةٍ..ومثل لهفةِ موّالٍ على معزوفةِ نَاي تأتي كلماتُ صلاح جاهين (1930-1986)،

ذلك الوجهُ الذي رسمتْه فرشاةُ العديدِ من الرسّامين، لكن كانَ ينقصُه شيءٌ ما أمامَ إبداعِه، فهو حياةٌ إبداعيّةٌ كاملةٌ مثلَ قصيدتِه «القاهرة في ألف عام»، التي تعدُّ بمثابةِ حياةٍ كاملةٍ لمِصرَ.. ترسمُ أنّاتِها وضحكاتِها.. ثورتَها وتحريرَها.. ثم انكسارَها ونهوضَها.

عاشَ صلاح جاهين وعاشتْ معه مِصرُ.. بل عاشتْ فيه مِصرُ.. ترافقا معًا لحظةً بلحظةٍ وليلةً بليلةٍ ودمعةً بدمعةٍ.. أحبَّها بعنفوانٍ مثلَ جَدِّه أحمد حلمي (1882-1963) الصحفيِّ الكبيرِ الذي لم يتبقَّ منه سوى ميدانٍ شهيرٍ باسمِه، ميدان أحمد حلمي في حي شُبرا.

كان الصديقَ المُقرّبَ للزعيم مصطفى كامل (1874- 1908)، وترأّسَ تحريرَ جريدة «اللواء».

في بيت صلاح جاهين كانت هناك صورةٌ كبيرةٌ مُعلّقةٌ على الجدارِ لجَدِّه أحمد حلمي، رسمَها له صلاح، ووضعَ عليها تَوقيعَه.

عاشتْ ثورةُ (1919) في أعماقِ صلاح جاهين، على الرغمِ من ولادتِه عامَ (1935)، لكنَّ أسطواناتِ سيد درويش التي كانت تسكنُ بيتَهم وذكرياتِ الثورةِ والحديثَ الدائمَ عن سعد زغلول باشا عيشتُه أيامَها.

عاشَ صلاح جاهين طفولةً سعيدةً، كلُّها «شقاوةٌ»، حسَبَ وصفِ شقيقتِه بهيجةَ: «كان يكرُهُ العدوانيةَ ولا يميلُ إلى الصّخبِ، وكان شجاعًا جريئًا لدرجةِ أنَّ هناك صديقًا للعائلةِ اسمُه الدكتورُ مُحمّد العناني جاءَ إلى بيتِنا مرّةً وكان صلاح في الثالثةِ من عُمُرِه، فوقفَ على كرسي وقال «كَانِيْ مَانِيْ ودُكّان الزَّلَبَانِيْ.. الدكتور العناني»..!

وجدَ صلاح في بيتِهم مكتبةً كبيرةً عامرةً بالكُتبِ تركَها جَدُّه أحمد حلمي، فقرأَ فيها المُتنبّي، والجبرْتي، ومدرسة أبوللو، وأشعار أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ولعلَّ هذا هو سِرُّ حبِّه للغةِ الفُصحى، أما سرُّ اتجاهِهِ للعامية، فقد قال عنه جاهين في حديثٍ تلفزيونيٍ مع فاروق شُوشَة لم يُذَعْ، ولم يُنشرْ، لكنّي شاهدتُ نسخةً خاصّةً منه «أنا الحقيقة كنتُ في حَالِي وبَعْدِين لَقِيتْ جريدة مكتوب فيها حِتّهْ صغيرةْ على عَمود في آخر الصفحة بإمضاء فؤاد حداد، ولما قَرَيْتها لِقِيتْها مكتوبة بالعامّية ومكتوبة بألفاظ عاديّة يَعني كِدَه من حديث كل يوم، لكن مشحونة بمشاعرَ كبيرة جدًا من وجهة نظر رقيقة، وفي نفس الوقت مَعْرَفْشِ مشحونة بِآيه يَعني، فأنا أعجبتني النغمة دِيْ جدًا، ومن وقتها قرّرتُ إني مِشْ حَكْتِبْ إلا باللهجة دِيْ».

وعلى الرغم من أنَّ كلّ إبداعات صلاح جاهين تستحقُ التأملَ والتوقّفَ عندها سواء من خلالِ دواوينِه الشعريةِ «كلمة سلام» (1955) والذي كتبَ له الشاعرُ كمال عبد الحليم مُقدمةً بديعةً، وباقي دواوينِه «موّال عَشان القناة» (1965)، «عن القمر والطّين» (1961)، « قَصَاقِيص ورق» (1966)، «أنغام سبتمبرية» (1984)، أو رُباعياته الفلسفيّة الشعريّة الرائعة التي كتبَها للمرّةِ الأولى في شارع قَصْر العَيْنِي، أثناءَ ذهابِه إلى عملِه في مجلة «صباح الخير»- حَسَبَ روايةِ ابنِه الشاعرِ صلاح جاهين- وتردّدت في خاطرِه كلماتٌ تقول:

مع إنْ كل الخلق من أصل وطين

وكلهم نَازلين مغمّضِين

بعد الدَّقَايِق والشهور والسِّنين

تِلاقِي ناس أشرار وناس طيّبين

ثم قال «عجبي».. وصلَ مبنى المجلّةِ، والتقى رئيسَ تحريرِها أحمد بهاء الدين وأسمَعَه الرُّباعيةَ ليعرفَ رأيَه فيها، فاتّفقَ معه بهاءُ، من فرطِ إعجابِه بها، على أنْ يكتبَ رُباعيةً مثلَ هذه كلَّ أسبوعٍ تُنشرُ في المجلة، ولمّا طلبَ منه محمد حسنين هيكل أن ينتقلَ للعملِ معه في «الأهرام» كرسّامِ كاريكاتير عامَ (1962) توقّفَ عن كتابةِ الرُّباعياتِ حتى تولّى عامَ (1966) رئاسةَ تحرير مجلّة «صباح الخير» فأكملَ كتابةَ الرُّباعياتِ، وبعد حربِ (1967) عادَ مرةً أُخرى للعملِ في جريدةِ «الأهرام».

من إبداعاتِ جاهين أيضًا أوبريت «الليلة الكبيرة» و»القاهرة في ألف عام» الذي لم يحقّق النجاحَ المتوقّعَ وقْتَذاك..

بعدَ الهزيمةِ والضياعِ وسقوطِ أسطورةِ جمال عبد الناصر في قلبِ وعينِ صلاح جاهين وإحساسِه بأنّه هُزم- كما هُزِمت مِصرُ- ابتعدَ عن كتابةِ الأغاني السياسيّة التي غنّاها عبد الحليم حافظ تمجيدًا في ثورةِ «يوليو» وجمال عبد الناصر، فاتّجه إلى السينما، حيثُ كتبَ فيلم «خَلِّي بَالَكْ من زُوزو» وأنتجه، بطولة سعاد حسني، وحسين فهمي، والذي استمرّ في دُور العرض عامَين ونصفًا، ثم كتبَ « أميرة حبّي أنا»، ثم «المتوحشة» الذي فشلَ ولم يحقّق نجاحًا، ثم «شَفِيقة ومتولي».

وقبلَ كلِّ ذلك كتبَ عشراتِ الأغاني لعبد الحليم مثل «إِحْنا الشّعب، بالأحضان، بستان الاشتراكيّة، صورة، المسؤوليّة، ناصر يا حُرية، يا أهلًا بالمعارك»، لكنّنا هنا نكتبُ عن الساخرِ صلاح جاهين في فصلٍ من فصولِ الفكاهةِ في مِصرَ.

@ samykamaleldeen

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق