المنتدى

مستجدات الإدارة الأمريكية

لم يجرِ تقنين المهاجرين من أعراق أخرى إلا حين غلبت المناداة أمريكيًّا ودوليًّا بحقوق إنسانية كاملة لهم

بقلم/ توجان فيصل.. (كاتبة أردنية):

 تاريخيًا كان الغزو واحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتها، وقتل أو استعباد أهل البلاد الأصليين ممارسة لكل دولة، وكل عرق أمكنه أن يمتلك تفوقًا قتاليًا حرفيًا، أو حتى مجرد تفوق لجهة أعداد جنوده من أبناء قومه أو بتجنيد أقوام أخرى استعبدوها يلقون بهم كالحطب في المعركة -راضين أم رافضين لا فرق- كونهم مضطرين للقتل كي لا يقتلوا. وتساوت كل الأمم والأعراق في درجة ممارستها لهذا بحق أمم وأعراق أخرى. لا بل وصل الأمر لتوظيف إبادة الآخر بالقتل أو السبي أو الاستعباد كمعيار قوة وسطوة لإخافة الآخرين وإجبارهم على الاستسلام.

وبمجيء العصر الكولونيالي الحديث، قامت هدنة بينية لدول كولونيالية متجاورة سبق وكلف اقتتالها كل أطرافه غاليًا، مقابل اتفاقهم على اقتسام المستعمرات خارجها. وأصبح الاستعمار «عنصريًا» لحد بعيد، ما كرّس زعم تفوق العرق الأوروبي الأبيض. ومثله كانت جرت قسمة بينية تنافسية للعرق الأصفر، لحين تغلبت عليها قوى البيض الأمريكان وبطرق وحشية وصولًا لإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناجازاكي. والمفارقة أن التاريخ بعد هذا القصف، أضفى شرعية بدرجة ضرورة حياة أو موت على امتلاك السلاح النووي. وهذا أهم ما لجم توظيف هذا السلاح ثانية من قبل أمريكا، ولكنه ظل يعزز النزعة العنصرية في أمريكا بالذات التي توطن فيها جسم عنصري يؤمن بتفوق العرق الأبيض لتبرير سلبه حقوق السكان الأصليين بل وإبادتهم.. مضافًا له استعباد السود بعد اختطافهم وجلبهم لأمريكا..ومثله جلب مهاجرين من أعراق أخرى لتوظيفهم في مهن أدنى كما يجري للمكسيكيين والمهاجرين من أمريكا الجنوبية.. بل وجرى وما زال يجري تهريب مهاجرين (باستغلال رفض الهجرة المعلنة) يبقون «غير شرعيين» عمدًا لاستخدامهم في مهن دنيا، أبرزها خدم البيوت، وثبت تورط شخصية سياسية أمريكية في هكذا استخدام.

ولم يجر تقنين المهاجرين من أعراق أخرى إلا حين غلبت المناداة أمريكيًا ودوليًا بحقوق إنسانية وحقوق مواطنة كاملة لهم، على غير ما لحق بمهاجرين أثناء الحربين العالميتين بسبب جنسية المهاجر/المهاجرة الأصل، كالذي جرى لمهاجرين ألمان وصينيين، ويابانيين بعد هجمة برل هاربر التي لم يكن لهؤلاء يد فيها.. وظهر هذا الرفض جليًا ليس بسبب فوز ترامب بالرئاسة، بل لكون فوزه جاء نتيجة لما يمثله من عنصرية أدت وما تزال تؤدي لقلاقل أساسها عنصري. وهذا لم يكن السبب الرئيس لاستعانة الديمقراطيين بخبرة باراك أوباما، فنجاح أوباما تجاوز معايير الأقلية ليصبح نموذجا على الآتين من الأكثرية احتئذاء حذوه.. ولكن ماجرى ويخشى أن يجري مثله أدى لأن ينحّي الديمقراطيون كل الفروق العرقية باستفاضة لجهة اختيار نائبة للرئيس من الملونين وليس حقيقة لكفاءة تميزها للموقع المتميز، وبعدها لآخرين يتزايدون حيثما وجدت كفاءة معقوله لشغل المنصب. وهذا مستجد ولا يعكس مجمل صورة الديمقراطيين ونظرتهم للعالم الملون التي تجلت في سياساتهم الخارجية بما فيها سياسة ذات بايدن (باستثناء أدارة أوباما). ولم يكسرها فيما يبدو مبدأ بقدر ما كسرتها ضرورة الوجود في الحكم، وتستحسن أكثر إن كانت تحدّيًا أكثر من فرص الحزب المنافس، هو ما وفرته عنصرية ترامب للديمقراطيين.

وكون الأمر متعلق بالسلطة وليس بالمواقف أو القناعات القائمة قبلها، يتبدى فيما يمكن تسميته القرار الأول للإدارة الديمقراطية الجديدة، وهو تخصيص بلايين الدولارات للأسر التي يكثر فيها الأطفال لخفض الفقر بين الأطفال بنسبة 51%، وذلك بتغطية تأمينات صحية ورديات ضريبة للأهل وأشكال دعم ورعاية أخرى.. ودقة الرقم المعلن وليس تدويره لأقرب عشرة بالمئة مقصود لبيان الجدية في التوجه. والمفارقة هنا أن الحزب الديمقراطي،والمكون الذي يصنف بايدن بخاصة ضمنه، هو ما أدى لإحباط ترشيح بيرني ساندرز بوسم برنامجه «بالاشتراكي».. في استعادة للمكارثية مخففة فقط لكون برنامج ساندرز لم يكن اشتراكيًا حقيقة، أقله ليس بأكثر من الأحزاب الاشتراكية التي وصلت مكررًا للحكم في عديد دول أوروبية ولم تغيّر وصف الحكم فيها. ويضاف لهذا اعتماد سياسة أبعد من هذا باستنكار إدارة بايدن الجديدة لكون الزيادة الهائلة في دخول «البليونيرية» الأمريكان في سنة كورونا تساوي مجمل دخل النصف الأفقر من الأمريكان (أشرنا لها في مقالة سابقة). وقد علق البعض بأن يايدن ينحو نحو الاشتراكية، فيما يشبه التندر. ولكن يبقى هذا النذر اليسير بابًا لأن يعاد لوصف الإدارة الأمريكية بكونها «للشعب».. التي أسقطت عمليًا من وصفها الدستوري بأنها «من الشعب وعبر الشعب وللشعب».

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق