fbpx
المنتدى

الوزير ليس مقطفًا .. إنه «عبد المأمور»!

شركات القطاع العام التي بيعت تم استخدام فكرة أنها شركات خاسرة للتخلص منها

بقلم  -سليم عزوز

وكأنه مخير لا مسير!

فهناك حملة إبادة ضد وزير قطاع الأعمال المصري، لم تبدأ من قبل مجلس النواب في جلسته الأولى، ولم تنتهِ عبر الهجوم عليه عبر السوشيال ميديا، وكأنه المسؤول الأول والأخير عن قرار تصفية شركة الحديد والصلب، بعد سبع وستين سنة من إنشائها، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر!

ولو كان الهجوم على الوزير من قبل المعارضة التقليدية للنظام العسكري في مصر، لكان لهذا ما يبرره، ولكن من يقف على خط المعركة الآن، هم رجال هذا النظام، الذين صنعهم على عينه واصطفاهم لعضوية برلمان، حرسوا على ألا يدخلوا من يمكن أن يمثل معارضة محتملة، فضلًا عن الذين يهاجمونه خارج البرلمان هم أذرع النظام ورجاله، وقد بلغ الهجوم مداه، بدعوة «الرئيس السيسي» لإقالته، كما لو كان الأمر يتم من وراء ظهره وفي غيابه!

لقد وصل الحال بمن فتحوا النار على الوزير من معسكر أهل الحكم، أنهم فتشوا في دفاتره القديمة، فعثروا على منشور قديم له بعد الثورة، يتهم فيه الحكم العسكري منذ سنة 1952 بالفشل، وقد بدا أنه ليس من أنصار القطاع العام، وقد يصبح منطقيًا بعد ذلك أن يستقيم أكثر مما ينبغي، فيتمدد في المشهد مدافعًا عن سياسة تصفية القطاع العام، ويهبط بمستوى تصريحاته كوزير مسؤول، فيقول إن مصنع الحديد والصلب لا يساوي «عشرة صاغ»! ولا شك أننا أمام تطور ملحوظ في فلسفة الاختيار، فمبارك أسس لنظامه «الرأسمالي»، بواسطة اشتراكيين قدامى، كان أبرزهم الدكتور عاطف صدقي رئيس الحكومة، والذي كان له مؤلف في مدح الاشتراكية، وعندما اختاره مبارك رئيسًا للحكومة، كتب مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار، في زاويته بجريدة الحزب، مقاله الشهير «عاطف!! والمقاطف!!»، وكان يميل للسجع في عناوينه مثل «فهد!! والوعد!!»، ونحو ذلك، ورغم أنه كان ضابطًا بالجيش وشارك في حركة الضباط الأحرار في سنة 1952، إلا أنه كان صاحب عقلية اقتصادية مدهشة، ربما كان السبب في ذلك أنه لم يكتفِ بدراسته العسكرية، ولكنه التحق بكلية التجارة، شأن كثير من ضباط هذه المرحلة، مثل المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة!

وفي هذه الفترة لم تكن الكليات العسكرية قد حصلت على المعادلة التي ترتقي بها لمرتبة الشهادات التي تمنحها الجامعات المصرية، على النحو الذي يفقد الشهادة جدارتها خارج المعسكر، وفي حالة خروج حاملها على «المعاش المبكر»، يصبح مضطرًا للالتحاق بوظيفة مدنية، على العكس من كلية الشرطة التي تعادل ليسانس الحقوق الذي تمنحه الجامعات المصرية!

ولهذا كان الضباط القدامى لا يعتبرون حصولهم على الشهادة العسكرية مما يجعلهم جديرين بأستاذية العالم على النحو الذي عليه الأجيال التالية! وربما لا يكون الأمر له علاقة بجودة التعليم إنما بجودة الحياة، فبعد ثورة يوليو عمل بعض الضباط بالأدب والصحافة، وأثبتوا فيها حضورًا مهمًا والقائمة لا تبدأ بيوسف السباعي ولا تنتهي بأحمد حمروش!

في مقاله «عاطف!! والمقاطف!!»، كتب مصطفى كامل مراد إنه عندما سأل من يكون عاطف صدقي الذي اختاره مبارك ليشغل وظيفة رئيس الحكومة المصرية، جاءته الإجابة: إنه تلميذ الدكتور إسماعيل صبري عبد الله، وهو رمز من رموز الفكر الاشتراكي وأهم مُنظر له في هذه الفترة، ومن تلاميذه أيضًا كمال الجنزوري رئيس الوزراء التالي لعاطف صدقي، والذي لم يكن وحده «المقطف»، بحسب بيان مصطفى مراد، الذي جاء ليكون مجرد حامل لسياسة لا تتفق مع قناعاته، وإذا كان وصف «المقطف» وبعيدًا عن العنوان بدا تلميحًا لا تصريحًا، فقد كانت الإشارة تكفي، وفي حفل استقبال وعندما التقى صدقي بالكاتب وعاتبه بشكل لم يكن مستعدًا له أمام الناس وسأله: «أنا مقطف يا مصطفى بيه»؟، فكان رده مغاضبًا: «مقطف وستين مقطف»!

وقد مضت هذه المرحلة، التي كان فيها رأس السلطة يجلب اشتراكيًا ليكون «مقطفًا» للسياسات الرأسمالية، استجابة لضغوط المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي، فإن المرحلة الجديدة تجاوزت سياسة «المقطف»، ولهذا فإن وزير قطاع الأعمال الحالي، لا يفعل شيئًا ضد قناعاته، لكن مشكلة هذه الحملة ضده، أنها تجاوزت حدود صلاحيات الوزير، فليس هو من يرسم السياسات ولكنه جهة تنفيذ، فليس أكثر من «عبد المأمور»!

والتخلص من القطاع العام، استكمالًا لسياسة مبارك، هي السياسة المعتمدة لـ «المأمور»، وبذات المنهج، فقد كان البيع عقد فساد في الأصل والفصل، فقد بيعت شركات القطاع العام بتراب الفلوس، وبأقل من قيمتها بكثير، وعندما يقول وزير قطاع الأعمال إن شركة الحديد والصلب لا تساوي «عشرة صاغ»، فإنه يتعمّد أن يخسف بها الأرض، بما يفقده الأهلية للقيام على البيع والتصفية، وهو أمر لا يقدم عليه بائع مسؤول!

إن شركة الحديد والصلب التي خسف بها الوزير الأرض تملك 6 ملايين متر مربع، طرحها الوزير للبيع أمام المستثمرين، وهو ما يؤكد أن من ضمن أهداف البيع والتصفية ليست لأنها شركة خاسرة، أو أنها لا تساوي «عشرة صاغ» بحسب قوله، ولكن لأن رأس السلطة في مصر الآن يتصرف على قواعد التعامل لتجار الأراضي، وهذا هو النشاط المعلن له!

لا ننكر أن شركات القطاع العام التي بيعت، تم استخدام فكرة أنها شركات خاسرة للتخلص منها، لكن هذه الخسارة لم تكن قدرًا ولكن لسوء اختيار السلطة للقيادات الفاسدة والفاشلة مع سبق الإصرار والترصد، وقد كان لشركة الحديد والصلب مسؤول بدأ في عملية النهوض بها، فتم التخلص منه لصالح ضابط جيش، ظهر كما لو كانت مهمته أن يصل بها لمستوى أن يقول وزير مسؤول إنها لا تساوي «عشرة صاغ» دون أن يهتز له رمش!

وليس هذا هو الموضوع، فالتخلص من القطاع العام، واستكمال مهمة بيعه «خردة»، هي سياسة عبد الفتاح السيسي «المأمور»، وليس وزير قطاع الأعمال «عبد المأمور»، فهناك عدد من الشركات معروضة للبيع الآن، لكن البعض يستهويه السياسة المتبعة في عهد مبارك، عندما كانت تعلق كل الجرائم في رقبة هذا الوزير أو ذاك، ثم تتم الشكوى للرئيس الذي لن يرضى أبدًا عن هذا الفساد، وفي كل مرة لا يتدخل الرئيس، لكنهم مع هذا يكررون الأمر في ملفات أخرى، وبعضهم حصل على صفة المعارض الشجاع لهجومه على الوزراء!

إن وزير قطاع الأعمال وإن لم يكن مقطفًا، إلا أنه «عبد المأمور»!

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X