كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. خواطر سياسية من الواقع

نحتاج قراءة المشهد بحكمة وتأنٍ مع ضرورة وجود مكابح تخفف من سرعة الاندفاع

ينشغل عالمنا الشرقي بكثير من المشاكل ومستقبل مجهول لشعوبه، خلافات كبيرة بين الدول استنزفت الخزائن، وحكومات تغذّي الفرقة الداخلية لتستمد شرعية بقائها، وانفجارات برعاية حكومية، وقنابل تُرمى من الطائرات على مجموعات مدنية مجردة من السلاح، في الوقت نفسه هناك على مسافة ليست ببعيدة ودع الألمان المستشارة ميركل بعاصفة من التصفيق استمرّت لمدة عشر دقائق، «المرأة الحديدية» رجعت لعاطفتها وقابلت هذا الوداع بالدموع، ١٨ سنة حققت لألمانيا إنجازات كثيرة، ليتفرغ حزبها بعد نهاية التصفيق لاختيار بديل لها، لتصبح مواطنة تبتاع حاجياتها بنفسها وتكمل بقية حياتها بممارسة العمل كأستاذ جامعي في إحدى الجامعات، وليس ببعيد رئيس وزراء هولندا يحضر إلى مقر الحكومة بالدراجة الهوائية ليقدم استقالة حكومته بسبب سوء استخدام لأموال كانت مخصصة لرعاية الأطفال الذين أغلبهم من الأقليات والمهاجرين، أما الحاكمة العامة لكندا فأعلن مكتبها أنها تقدمت باستقالتها لأن موظفي مكتبها ظهر الصراع بينهم والتنمّر، ما يسمى في عالمنا الإداري ب»الشللية»، لا تخلو من مثلها في عملنا الإداري.

في واشنطن رئيس أكبر دولة عظمى يخرج من كرسي الحكم، كرسي ثمين وقف أمامه «هارون الرشيد» يومًا ليقول بحزم لابنه وفلذة كبده: لو نازعتني عليه لنزعت روحك، خرج ترامب بكل استسلام بعد محاولات «قانونية» مستميتة للبقاء، غاب عن الحفل الكبير في البيت الأبيض مفسحًا المجال لسيد جديد للسنوات الأربع القادمة، لا صوت يعلو فوق صوت اللعبة الانتخابية، قبل الحدث بعدة أيام حضرت حديثًا للأصدقاء عن توقعاتهم بما سوف يفعله ترامب للتمسك بالسلطة، كانت هناك الكثير من التوقعات المبالغ بها، قلت لهم: ‏سيغادر ترامب بإرادته أو رغم أنفه، وسوف ينضم إلى أربعة زملاء قبله ما زالوا أحياء يحملون مسمى رئيس سابق لأقوى جمهورية على البسيطة، سوف يهذي وسيسمعه الناس من باب الطرافة والتندر، في أمريكا إرادة الدولة تعلو فوق شهوة المنصب والكرسي للفرد، هذه هي كل القصة.

لا يوجد لدى الغرب مفهوم «لك الجمل بما حمل»، ولا تتشكل السياسة حسب رغبة شخص واحد، القضية لديهم سلامة الجميع ويجب ألا تكون تحت أي احتمالية للخطأ من شخص واحد مهما بلغت درجة تفوقه، نعم هو خلف مقود السيارة، ولكن هناك مكابح موجودة لدى آخرين، هل في تجولكم بين مدن أوروبا وقراها شاهدتهم صورة لسياسي واحد ما زال في منصبه؟ لا تفكر كثيرًا، لا يوجد.

في الكمبيوتر خاصية (القص) و(اللصق) تختصر الكثير، تنسخ بها الكثير بلمسة واحدة، للأسف في كثير من الأحيان هذه هي السياسة في الدول التي تأخرت عن ركب التطور، مثلًا تجربة عبدالناصر والتي حولت مصر من دولة ثرية ودائنة إلى أشهر دولة غارقة في الديون بالإضافة إلى قمع الحريات وبناء السجون والاندفاع في حروب مهلكة من دون تخطيط جيد والعبث بالنسيج الاجتماعي، تم تكرارها بطريقة (القطع) و(اللصق)، نفس الأخطاء ورغم تغير الأشخاص والبعد الزمني، الإشكالية أن عبدالناصر استفاد من سيطرته على المعلومة وأخذ يشكل ذهن الناس من خلال إعلامه والتي حولت الكثير من العبث إلى إنجازات، فظهرت مجموعة تؤمن بأفكاره ومبادئه وتتطرف في الثناء عليه، والدتي حفظها الله تقول لي من ذكرياتها: إننا سمعنا خبر وفاة عبدالناصر في مجلس نسائي لتتصدر إحداهن الحديث وتقول إنه مات ساجدًا. من فرط العاطفة أخذ معجبوه ينسبون له أمورًا مثالية من نسج الخيال، فأبناؤه لم يقولوا ذلك.

تغيرت العقليات في عالم اليوم، مصادر المعلومات كثيرة والناس تعرف الحقيقة على وجه الدقة، نعم ما زالت الأنظمة السياسية تسيطر على مقاليد السلطة بشكل مطلق، ولكن فقدت السيطرة بشكل كلي لمنع وصول المعلومة، اقرأ التاريخ بعمق وخذ من أحسنه (قص) ثم انقله لواقعك مع إضافة التطوير المناسب (لصق) وهذا ببساطة ما فعلته الدول المتقدمة.

ختامًا، لو تم اختراع ساعة الزمن وأعيد الوقت أربع سنوات للوراء، هل سوف نشاهد الأخطاء الفادحة التي عشناها في تلك السنوات ومن كل النواحي؟

لحظة ساعة الزمن نحتاجها في الأمور اللا متوقعة، ولكن في أغلب الأمور لا نحتاج ساعة الزمن ولكن نحتاج قراءة المشهد بحكمة وتأنٍ مع ضرورة وجود مكابح تخفف من سرعة الاندفاع، لتكون هناك فرصة بالعودة للطريق السوي بسلامةٍ ودون انقلاب المركبة.

Twitter:khalifa624

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق