fbpx
كتاب الراية

مداد القلم.. البحث العلميّ في قطر بين الموضوعية والطعن في الظهر والسرقات الفكرية

مراكز بحوث الحوسبة جعلت قطر مركزًا إشعاعيًّا رائدًا

ذكاء الدولة المهني لم يفرز خطابًا إعلاميًّا في التسويق

غزارة الإنتاج العلميّ لقطر تقتضي دعم الباحثين دون تمييز

سرقة البحث العلمي أو أجزاء منه وأفكار الباحثين قبل النشر لا تخفى على أحد

مؤسسة قطر حققت إنجازات كبيرة لدعم النهضة العلمية

الأنشطة العلمية قوة ناعمة خطّت اسم قطر على خريطة العالم

لم أجد تسويقًا كافيًا يُوازي ما تقدمه قطر على المستوى الدولي

علّمتنا أزمة حصار دولة قطر دروسًا متعدّدة في الوطنية، بل وأخرجت لنا خلاصة وعصارة هذا الوطن من أبنائه النجباء في مختلف المجالات، الذين قد يكونون مغيبين بفعل فاعل، خصوصًا في المجالات الخفية التي يرصدها العلم دون أن تجد لها صدى يُذكر في الشاشات لابتعاد أصحابها عن تسويق الذات وعن منصات الإعلام وشاشات التلفزة، فوجدنا نخبًا علمية جادت سلفًا لم يُسلط الضوء عليها إلا بعد معضلة الأزمة السياسية وتسليط كاميرا الإعلام عليها.

فهل احتفت قطر بالبحوث القطرية الرائدة؟ وهل يجد الباحثون القطريون في مختلف الجامعات وأساتذة الجامعة الأم «قطر» ما يجده غيرهم من دعم وتشجيع ؟ وهل قسّمت الأدوار والموازنات وأدوات التحكيم والمحّكمين بعدالة ومهنيّة بين باحثين محليين ودوليين ومؤسسات ومراكز علمية دولية في قطر ومحلية أصيلة فيها في مجالات البحوث في دولة بنت أعمدتها على العلم واقتصاد المعرفة والاستثمار في الإنسان عامّة بصفته ركيزة الرؤية دون تفرقة بين جامعات «خواجات» وأخرى «مهجّنة» وأخرى «وطنية» في ذات الدولة التي تعاني التفرقة العلمية حين لا تجد الأخيرة فيها وأبناء الأخيرة «الأم» إلاّ أقل الاستحقاقات والموازنات والبرامج رغم تفوقها في الاعتراف والمعايير الدولية ؟

مؤسسة قطر

كان أول القرارات التي اتخذها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بعد توليه الحكم إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، في أغسطس 1995 برؤية ثاقبة لدعم النهضة العلمية والثقافية، وقد تولّت سمو الشيخة موزا بنت ناصر، إدارة هذا المنبر العلمي التنويري بجدارة واحتراف، حيث عمّت النهضة ليس دولة قطر فحسب، بل شمل الإشعاع الحضاري الوطن العربي والعالم قاطبة.

كبيرة هي تلك الإنجازات التي لا يمكن أن يشملها مقال واحد، والنهضة العلمية التي حققتها مؤسسة قطر وغيرها تستحق منا وقفات لتسطّر الأنشطة العلمية الموازية والقوة الناعمة التي خطّت اسم قطر على خريطة العالم والتي سأفرد لها مقالًا آخر.

أثناء تواجدي في معهد قطر لبحوث الحوسبة التابع لجامعة حمد بن خليفة وقت العمل الميداني في برنامج الدكتوراه بُهرت بالإشعاع الحضاري المواكب للتطور التكنولوجي «لغة العصر» والمنطلق من قطر وبما تقوم به مراكز البحوث الرقمية في عدّة مجالات: البيئة والطاقة والصناعة، بحوث الطب الحيوي والذكاء الاصطناعي للاستجابة للأزمات «الطبيعية وغيرها» التي تعد الحوسبة الرقمية فيها قاعدة متينة في التحليل واستشراف المستقبل، فضلًا عن التسابق الفريد في استحداث وابتكار البرامج الذكية في ميدان الحوسبة في العلوم الاجتماعية الذي يعدّ جديدًا نسبيًا في تطوير تقنيات البرمجة الذكية للمحتوى العربي السيبراني التي كانت خلف اللغات الأخرى وتفوقت فيها قطر وهذا مصدر فخر.

رغم دعوة مؤسسة قطر الجمهور للشراكة تحت شعار «طوّر أفكارك» ورغم إسهامها في الابتكار وتحقيق التنمية المستدامة والنفع الدولي في البرامج الطبية والتقنية الرائدة، واحة العلوم والتكنولوجيا، قطر بيوبنك، قطر جينوم، ودعم مؤسسة قطر لبرنامج نجوم العلوم لمواسم عديدة لكل العرب، إلا أنني لم أجد تسويقًا كافيًا يوازي ما تقدمه قطر على المستوى الدولي، كما أن مراكز بحوث الحوسبة جعلت قطر مركزًا إشعاعيًا رائدًا بل ودولة ذكية ولكن ذكاء الدولة المهني لم يفرز خطابًا إعلاميًا يساوي تسويق جيرانها لذكاء ماكر في بنى مؤسسية، فضلًا عن البنى العسكرية الدفاعية والهجومية التقنية. فقطر غنيّة بثروتها العلمية والثقافية والبشرية، ولكن ظلّ نهجها متواضعًا جدًا في تقدير ذاتها أو ربما اختارت «إنكار الذات».

الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي

البحوث الميدانية التي يدعمها الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي وتموّلها قطر في المجالات المبتكرة والتنافسية تستحق أن يتم الإفادة منها فيما يخدم البحث العلمي الدولي وقطر أيضًا، هنا يجب أن يُحسن اختيار من يقوم على تقييمها ومنحها في متابعة منهجية تقييم البحوث حتى لا تستخدم أموال الدولة ضدّها دون موضوعية. كما أنّ البحوث الرائدة لمراكز البحوث الغنية في جامعة قطر الأم يجب ألا يُهضم حقّها.

غزارة الإنتاج العلمي لقطر تقتضي دعم الباحثين دون تمييز، خصوصًا في ظل ضعف القيمة التقديرية للبحوث العلمية مقابل الإنجازات الأخرى الرياضية وغيرها. كما أن العزف على النغمة المحلية في تغطية قيمتها في مجرد خبر صحافة ورقية أو الاكتفاء بالنشر عن صداها العلمي في الموقع الإلكتروني لكل مؤسسة لا يمكنه أن يفي بوصول هذه النتائج القيمة إلى الجمهور العالمي- هذا إن حصل- وهذا يستدعي أيضًا وضع مواقعها في أعلى محركات البحث العلمية ومؤسساتها وجامعاتها باتفاقيات ثنائية ومواكبة الطفرة التنموية في الاقتصاد القائم على المعرفة واستخدامها والبناء عليها خصوصًا في ظل الإضافات التي يقدمها أبناء قطر أيضًا للعلم، كلّ في مجاله.

عقدة التغريب وتغييب العنصر الوطني وعدم تكافؤ الفرص البشرية والمؤسسية

يجب أن تتخلص قطر من عقدة التغريب، إذ تعاني المؤسسات العلمية الدولية في قطر تغييبًا ملحوظًا للعنصر الوطني، كما تعاني المؤسسات العلمية المحلية من المقارنة غير العادلة في التقييم بينها وبين تلك التي تعطى الموازنات بملعقة من ذهب في ظل عدم تكافؤ الفرص والمعطيات، وهنا أجد ضرورة الحديث عن أدوات نجاح البحث العلمي في ثلاثة أمور إذا كنّا نتحدّث عن نجاح قطر كرصيد لدولة واحدة غير مجزأة بين استحقاق واستحقاق، وعيون زرق أو سوداء، أو رئاسة وأخرى:

أولًا: الموازنات المالية الممنوحة للجامعات ومراكز البحوث بين مراكز وأخرى في الدولة تقتضي النظر فيها بعين العدالة والمساواة كالمقارنة بين ما يمنح لجامعات المدينة التعليمية والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة الدولي للدراسات وجامعة قطر سواء في منح البحث العلمي أو ما سواه في الهيكلة للتخصصات العلمية المستجدّة لمواكبة التطور الدائم في مجال العلم في ظلّ الثورة الرقمية، هذا فضلًا عن الفرق في الرواتب والأجور والذي شكّل نزوحًا من قِبل كثير من أساتذة الجامعة الأم إلى الجامعات الأخرى رغم تحقيق الأولى أعلى معدلات الاعتراف الدولي في تخصصات عدّة.

ثانيًا: التغييب المحلي الوطني سواء أكان بالتناسي أو العمد لكل خبرة قطرية في مجالها عن المواقع القيادية في مراكز البحوث في مؤسسة قطر ومجالس إدارات الجامعات ومؤسساتها البحثية أو عضوية لجان التحكيم في منح البحوث العلمية فيها والتي اتهمت بالتغريب وإقصاء القطري رغم كفاءته في إدارة مراكز بحوث في الجامعة الوطنية الأم وغيرها.

ثالثًا: أجهزة التحكيم بل التحكّم في منح البحث العلمي أو جوائزه – إن صحّ لنا التعبير- قد تدخل فيها عوامل أخرى تبعدها عن قيم النزاهة والموضوعية والشفافية، إلى أطر من العلاقات التبادلية والمحسوبيات إلى الدرجة التي لا يرتقي مستوى البعض من المحكّمين فيها إلى مستوى البحوث التي يحكمونها فتُظلم البحوث ذات الكفاءة وتُنحّى بتزكية بحوث ضعيفة أو مكررّة أو عنصرية أو اتهام لبعضها بأنها over qualified.

وأخيرًا،،

يجب أن يعي القائمون على التعليم أن الفساد الأدبي في سرقة البحث العلمي أو أجزاء منه وأفكار الباحثين القطريين أو غيرهم قبل النشر، أو في مقام آخر أيضًا عدم المهنية في تقييم البحوث أو المحسوبية فيها لم يُعد خافيًا. كما يجب أن يعي المشرعون أن المجتمع القطري لم يعد بسيطًا، لذلك وقف مُطالبًا في منصات التواصل بتطبيق معايير الموضوعية والمهنية في لجان التحكيم للمنح البحثية والجوائز العلمية، فرائحة بعض المكر العلمي في طعن قطر وثروتها البشرية من ظهرها وبأموالها قد أزكمت الأنوف، كما أن مقولة «عازف الحيّ لا يطرب» قد أدركها العقل الجمعي بل والشارع القطري، لأن عازف الحي أثبت جدارة إضافاته ونغمته على الوتر الخامس والسادس والسابع والثامن دون أن يهضم زرياب حقّه ولا من تبعوه فبنى عليهم وهو يدرك أدبيًا أن العلم بناء لا محسوبية أو افتراء أو سرقة.

 

د. مريم الخاطر

 كاتبة وإعلامية وأكاديمية قطرية

دكتوراه في دور الإعلام الاجتماعي في الحراك السياسيّ

والتحوّلات الاجتماعية والسياسيّة في منطقة الخليج العربي

Twitter: @medad_alqalam

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X