كتاب الراية

خواطر.. قفص ذهبي

الخصوصية تمنحنا حصانة يصعب اختراقها.. فالناس لا يستطيعون إفساد ما لا يعرفونه

تمام السادسة صباحًا استيقظت فاطمة وأمسكت الجوال، صوّرت أبناءها النائمين، وكتبت على الإنستغرام: في مثل هذا اليوم منذ عشرة أعوام رزقني الله توأمًا هما أجمل ما في حياتي، كل عام وهما بخير.

منذ اكتشفت فاطمة وسائل التواصل الاجتماعي وهي تنشر تحركات أبنائها ومراحل نموهم، في البداية لم يكن لديها دوافع مادية أو استعراضية، مجرد أم تتواصل مع ذويها وأصدقائها المتفرقين في العالم لتشاركهم أخبارها، بدأت من خلال الفيس بوك ثم تفرعت عبر تطبيقات أخرى، حتى علمت أن بإمكانها تحقيق مكاسب مادية من خلال أعداد المتابعين والمشاهدات إذا حولت حسابها من خاصٍّ إلى عامّ، فتعمقّت في الأمر وقالت لنفسها: لم لا؟

ومع مرور الوقت لم يعد البث مقتصرًا على الصور فلكل عمرٍ تطوراته، بل أصبحت تنشر فيديوهات وتُدلي بالنصائح التربوية وطرق التعامل مع مشاكل النطق وصعوبات التعلم والبدانة واللياقة البدنية والوجبات الصحية والنشاطات الاجتماعية وموضة الأزياء، وطبعًا كان أبناؤها وسيلة الإيضاح المستخدمة!

كبر التوأم وتفاصيل حياتهم معروضة أمام الجميع والأم تستدرجهم للحديث والظهور حتى دخلوا مرحلة نفسية صعبة من التضجر والتوتر بسبب كاميرات الرصد المستمرة منذ الصباح حتى النوم، الذي لم يخْلُ من مباغتات تحت مُسمّى مقالب كما في الكاميرا الخفية، ولم يتبق لهم من الأسرار والخصوصية سوى أحلامهم التي بدأت تتحول إلى كوابيس، بينما هي غير مكترثة ولا تُفكّر إلاّ بافتعال الأحداث لجذب المتابعين؟

اتفق الأبناء بعد معاناة مريرة على عدم الاستمرار في هذه المهزلة التي تُعرّضهم لإحراج مستمر، فالناس في الواقع أصبحوا يستبيحون الكلام معهم وعنهم، ولا أصدقاء حقيقيين لهم فأصيبوا بحالة اضطراب نفسي نتيجة الملاحقة والتصنع ومجاملة الغرباء والصبر على تعليقاتهم التي لا تخلو من التنمر والتطاول.

لم تتفهم الأم رفضهم، فلقد أدمنت لفت الأنظار وحب المال، وأصبحت سيدة أعمال مشهورة مثلهم، ويحظون بملابس وعطورات وهدايا إلكترونية وكهربائية ورحلات سفر مجانية، عدى ما يتقاضونه من أموال.. فلماذا يُضحّون بكل تلك المكاسب؟

احتدّ النقاش وتعالت الأصوات فوق صوت الأم التي توارت خلف حالة من الإنكار والرفض لتفهّم مشاعرهم، وكأنها ليست نفس الأم التي تدّعي المثالية من خلال الإرشادات التربوية التي تقدمها للجمهور، ولم تجد في معاناتهم ما يستحق القضاء على مشروعها المربح وإحالتها إلى التقاعد القسري!

أمّا الأب الذي يعمل خارج البلاد، كان قد استسلم منذ زمن لزوجته اللحوحة نائيًا بنفسه عن دوره الرئيس كرب عائلة مكتفيًا بتغطية تكاليف الحياة، قرر أخيرًا أن يستعين باستشاري متخصص بشؤون الأسرة لمواجهة كافة الأطراف وفرض البوح والاستماع لتقريب وجهات النظر ولتحقيق السلام النفسي والعائلي، صحيح أنه كان يحبهم لكنه لم يكن حريصًا وصارمًا بما فيه الكفاية، فانحاز لراحته متجنّبا تسلط زوجته التي تعامت عن الأضرار مؤكدة على دورها كأي أمٍّ عاملة ومتعاونة للمساهمة في تكاليف الحياة.

كانت تلك واحدة من مئات القصص عن معاناة مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي وذويهم.

من المؤكد أن الجميع يحتاج للعمل لكن الخيارات هي مربط الفرس، وغالبًا ما يكون الطموح وربما الطمع خلف الاختيار، فالإنسان يولد حُرًّا لكنّه كثيرًا ما يختار قيوده بنفسه، وقد يكون نوع العمل أحد القيود التي ترهقه وترهق ذويه، فيدفعون معه ضريبة المستوى المعيشي، مثل عدم وجود أحد الوالدين أو كليهما بسبب الدوام الطويل أو السفر للعمل في بلد آخر أو لمنصبٍ مميز يفرض عليهم قيودًا اجتماعية مشددة، لكن هذه الإعالة لا تبرر فقدان الرعاية والحرية والخصوصية التي يستحقونها، الشهرة ممتعة لكنها قفص حتى لو كان ذهبيًا، ولا نستطيع لوْم أحد في إفساد حياة من ينشرون خصوصياتهم طواعية، سواء كانوا من المشاهير أم غيرهم.

«الخصوصية تمنحنا حصانة يصعب اختراقها، فالناس لا يستطيعون إفساد ما لا يعرفونه» ، هذه ليست مجرد مقولة، بل سترٌ وسرٌ من أسرار الطمأنينة والسلام.

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق