كتاب الراية

فيض الخاطر.. التغريب .. آفة هذا العصر

هذه الفئات تخلت عن الأخلاق وسعت لما يحقق مصالحها الذاتية

من سمات هذا العصر، ما تمرّ به المجتمعات النامية من موجات التغريب التي تتعرض لها وهي تواجه ثقافة جديدة تتغلغل في خلايا المجتمعات، وما نشأت عليه من قيم ومبادئ، وشهدت في ظلها من العلاقات ما جعلها تعيش عيشة راضية مرضية، رغم ما قد يعتريها من تعثر وضعف نتيجة ظروف طارئة في حياة تلك المجتمعات، وذلك من طبيعة البشر الذين أراد لهم الله الاختلاف والتنوّع لتأحذ الحياة مجراها الطبيعي بين الناس.

ومع أن الدين بتعاليمه الربانية يريد للأمة الصلاح والإصلاح، لكننا نرى الضعف يجتاحها، ويتمثل في الفتن والحروب من جانب والتغريب والتضليل من جانب آخر، وهي من المحدثات (وشر الأمور محدثاتها)، فنحن نرضع تعاليم الدين الحنيف من صدور أمهاتنا، ونتشبع بتعاليمه منذ نعومة أظفارنا، ونتربى على توجيهاته طوال حياتنا، ونعترف بأن فيه الخير للبشر قاطبة، لأنه دين المحبة والسلام والأمن والاستقرار، فما الذي يحول دون أن يكون المسلمون على أفضل حال؟

الجواب معروف وهو التغريب الذي يعني ابتعاد المسلمين عن الدين رغم التزامهم بالعبادات التي فرضها الله على خلقه، لكنها عبادات، تخلى بعض أصحابها عن جوهر الدين وهي الأخلاق، التي كانت ولا تزال سر تقدم الشعوب وازدهارها، الأخلاق التي لا يكمل إيمان المرء دون أن يتقيّد بها، لكنّ كثيرين تخلوا عنها مع أن رسول الهدى قال: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ومع ذلك يحرص الكثيرون على العبادات دون أن يدركوا أن هذه العبادات يفترض أن تقودهم إلى مكارم الأخلاق، وهو الأمر الذي لم يتحقق، فهناك من يتفاخر بأنه يختم القرآن مرة أو مرتين في الشهر، ولكنه ينسى أن يتدبّر آياته، ويلتمس الخير والهداية والرشد منها، ومثله من يصوم رمضان بمنتهى الحرص والدقة، وما يكتسب من صيامه سوى الجوع والعطش، لأنه لم يعمل بأخلاق رمضان ولم يتعلم من معانيه ودلالاته، وآخر يحرص على مجالس الدعوة، فإذا خرج منها نسي كل ما سمعه وانصرف إلى الغيبة والنميمة، وجماعات تحمل اسم الإسلام لكنها تنشغل عنه بالبحث عن السلطة والسعي لتحريض وتدمير الشعوب، لتعمّ الفتن وتخرب الديار ويكثر الفساد في الأرض، لماذا؟ لأن هذه الفئات تخلت عن الأخلاق، وسعت لما يحقق مصالحها الذاتية، نتيجة ضعف الإيمان وضعف النفوس وضعف الثقة في الذات، والجنوح للشر، لدى من اجتاحتهم لوثة التغريب، والابتعاد عن الخلق القويم، ولم يجرؤ أحدهم على ردع نزواته، فالموظف المُرتشي بلا أخلاق، والمسؤول المتسيب مع موظفيه بلا أخلاق، والمدرس الذي يرضى لطلابه بالغش بلا أخلاق، والمواطن الذي يرتكب الموبقات ضد مجتمعه والخيانة ضد وطنه بلا أخلاق، ولا يوجد منهم من يتذكر:

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه

فقوّم النفس بالأخلاق تستقم

لقد بلغت آيات العبادات في القرآن 130 آية، وبلغت آيات الأخلاق في القرآن 1054 آية، وفي هذا ما فيه من تعظيم الدين للأخلاق، والله يغفر لمن يقصّر في حقه لأن رحمته وسعت كل شيء، لكنه لا يغفر ذنب الإساءة لأحد، بل يتيح للمُساء إليه أن يقتص من المسيء إن عاجلًا أو آجلًا.

ولن يفلح قوم انعدمت بينهم الأخلاق، وغابت عنهم شمس الخير والصلاح، وخيمت على ربوعهم غيوم الأنانية وسوء المعاملة والعبث بالمصلحة العامة، فما أحرى بالمسلمين وهم يعلمون أبناءهم الدين أن يعلموهم أخلاق هذا الدين الذي أراده الله جنة للمحبة بين المسلمين، فأراده بعض العابثين جحيمًا للبغضاء والفتنة والدمار:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وليس بعامر بنيان قوم

إذا أخلاقهم كانت خرابا

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق