كتاب الراية

إضاءات تعليمية.. هل تحتاج مدارسنا إلى لقاح تعليمي Educational Vaccine ؟

أنظمة التعليم لا بد أن تحذو حذو المجالات الأخرى لمواجهة مخاطر المستقبل

أثرت جائحة «كوفيد-19» بشكل سلبي على الجوانب الصحية والاقتصادية للدول، كذلك تركت آثارًا سلبية عديدة على التعليم. هناك الكثير من الدروس من هذه الأزمة ولكن أهم درس تعلمناه أن المستقبل سيفاجئنا دائمًا بأحداث ووقائع، لذلك لا بد من التحضير لها من الآن ببناء نظام تعليمي يتناسب مع هذه الأزمات. للأسف أنظمة التعليم إلى الآن تفتقر إلى إعداد الطالب بما يتناسب مع متطلبات واحتياجات المستقبل. لسنوات وعقود عديدة نتحدث عن إعداد الطلاب للقرن الحادي والعشرين، ولكن إلى الآن ندرس لاجتياز الاختبارات.

أنظمة التعليم لا بد أن تحذو حذو المجالات الأخرى مثل الاقتصاد وإدارة الأعمال وحتى الطب والصحة، فلدينا الآن لقاح vaccine لمحاربة فيروس «كوفيد-19»، ولكن ما هو اللقاح الذي يحتاجه الطالب لمواجهة مخاطر المستقبل. وهنا لا أقصد أننا نحتاج إلى حقن الطلاب كما هو الحال في اللقاحات الطبية، فالمقارنة مختلفة تمامًا ولكن المطلوب إيجاد لقاح تعليمي من خلال توفير بيئة تعليمية تساعد الطالب على أن يتعلم تعليمًا مرتبطًا بحياته اليومية وأن يكون الطالب جزءًا فعالًا من عملية التعليم والتعلم وليس مُتلقيًا فقط يقوم بحفظ وتكرار ما هو موجود في الكتاب المدرسي ليجتاز الامتحانات في نهاية العام.

فبتحول المدارس إلى التعلم عن بُعد، تغيرت بيئة التعلم وأصبح الطلاب يتعلمون من المنازل وبمعزل عن أقرانهم ومعلميهم، ما أثر على الجانب التعليمي بالإضافة إلى تأثر الجانب الاجتماعي، حيث إن المدارس ليست مكانًا لتعلم المعلومات والحقائق، وإنما مكان يكتسب فيه الطالب الكثير من المهارات الاجتماعية مثل الاندماج في المجتمع الخارجي والعمل كفريق وتكوين صداقات وغيرها. كذلك تغيّرت أدوار المعلم وقائد المدرسة، حيث أصبح من الضروري اكتساب مهارات تساعد على استمرار التعلم عن بُعد في ظل ظروف صحية صعبة، فالطلاب يتعلمون بطرق مختلفة ولديهم فروق فردية. كذلك أصبح التركيز على تدريس محتوى الكتاب المدرسي وافتقار أدوات التقييم التي تقيس الأداء الحقيقي للطالب، فأصبح الجدول اليومي يفتقر إلى تدريس المهارات العليا مثل: القيادة والتكيف مع الظروف المختلفة، التعلم الوجداني والاجتماعي وغيرها من المهارات التي تساعد الطالب على تخطي الأزمات والتكيف مع الظروف الصعبة.

تتكدس المناهج بمواضيع وقضايا مرتبطة بحياة الطالب مثل التغييرات المناخية، الذكاء الاصطناعي وتأثيره في حياتنا وطريقة تفاعلنا في المجتمع، للأسف هذه المواضيع والقضايا يتم تغطيتها في المقررات الدراسية كمحتوى أو معلومات، وتفتقر إلى إكساب الطالب المهارات الحياتية المطلوبة والتي تمكنه من إحداث تغييرات في مجتمعه المحلي والدولي. ففي دراسة قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجدت أن موضوع التغييرات المناخية يتم تغطيتها بشكل كبير في المناهج، ولكن ليس للطلاب أي دور فعّال في إحداث التغيرات المطلوبة في مجتمعاتهم. لذلك فإن أنظمة التعليم تحتاج إلى علاج جذري مثل اللقاحات حتى تتشافى المدارس من هذه الصعوبات. فالأبحاث التربوية كثيرة وواضحة بخصوص التعلم الفعّال، ولكن للأسف لا يتم استخدام النتائج البحثية بالشكل الصحيح. لا بد من تطبيق نفس مبادئ أبحاث القطاع الصحي في استخدام نتائج التجارب العلمية للقضاء على الأوبئة والفيروسات.

إن جائحة «كوفيد -19» الآن هي محور اهتمام الجميع، سواء كانوا تربويين أم باحثين أم أولياء أمور وحتى صنّاع القرار. وهناك تساؤلات كثيرة حول مستقبل المدارس وأنظمة التعليم في السنوات العشر، والعشرين القادمة، على الرغم من هذه الآثار السلبية للجائحة وفي ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها المدارس ظهر أيضًا العديد من innovation وطرق تدريس مبتكرة لتتماشى من نوعية التعلم الجديدة التي فرضتها الجائحة. وهنا لا أقصد الابتكارات في التكنولوجيا فقط وإنما social innovation حيث أصبح الطالب يتعلم في بيئة مختلفة وبطرق غير تقليدية وغير مرتبطة بالصفوف الدراسية وجدران المدرسة. فظهرت بعض الممارسات التعليمية التي تركز على الطالب وجعله محور التعلم وله دور فعّال وليس فقط حفظ المعلومات وتكرارها، بالإضافة إلى أن هذه الممارسات تعطي المعلم الحرية في تدريس تعليم ذي قيمة مرتبط بحياة الطالب وليس إجهاده بالمهام الإدارية. لذلك لا بد من توثيق هذه التجارب الناجحة والاستفادة منها في المستقبل، فهذه النوعية من التعليم التي نتطلع إلى تطبيقها في مدارسنا واستخدامها كعلاج ولقاحات لمعالجة الأنظمة التعليمية.

إضاءة أخيرة:

اللقاح يحتاج إلى جسد سليم ليعطي مفعولًا إيجابيًا، كذلك الحال لأنظمة التعليم، لكي يتم إصلاحها لا بد أن يكون النظام سليمًا من الداخل وليس قائمًا على إنهاك المُعلم ومُدير المدرسة.

 

باحثة في سياسات التعليم

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق