fbpx
كتاب الراية

بالقلم الشفّاف … الربيع الرقمي

المجموعات المهاجرة ترفع أقوامًا وتخفض آخرين.. تمجّد هذا وتتنمر على ذاك!

تظهر لنا من فترة لأخرى طفرات تكنولوجية جديدة، لا تختلف كثيرًا عن تحور الفيروسات التي نواجهها كل يوم وعلى مدار السنوات بشكل متسارع وغريب، والإنسان هذا الكائن المسكين في مواسم دائمة للهجرة بينها، حاملًا أمتعته موزعًا وقته وخبراته ومشاعره، لا يعرف أين يستقر ومتى سيهاجر مرة أخرى. عندما كانت «النوكيا» تصول وتجول في الأسواق في أوج مجدها وقوتها، لم يكن يتوقع أحد أن تتحول لقطع أثرية مثلها مثل الرماح والإزميل الحجري وأدوات الصيد القديمة. أنا هنا لست بصدد الحديث عن أسباب صمود بعض المشاريع وسقوط بعضها، فالحديث يطول في هذا الجانب وقد نخصص لها سلسلة مقالات أخرى. ولكنني هنا أعكس وجهة نظر الإنسان العجول، هذا الكائن الذي يميل للانتماء ويحب أن يوجد بين الناس، يذهب أينما ذهبوا ويستقر أينما استقروا، في استماتة مستمرة للظهور والحضور بأي اسم كان وتحت أي ظرف، لذلك كان هناك انطفاء نجوم واشتعال أخرى في هذا الفضاء الرقمي الكبير.

لو تحدثنا بشكل أعمق عن العولمة بمفهومها المعياري، لوجدنا أنها فكرة لتواصل الأجهزة ببعضها البعض، ولو طبقنا ذلك على الواقع وليس العالم الافتراضي، نجد أنها كذلك موجودة على شكل بنية تحتية لتواصل الجهات ببعضها داخل الدولة الواحدة، ثم لدائرة أبعد لتواصل الدول ببعضها في اتحادات وتعاونات سياسية واقتصادية واجتماعية، ولو ابتعدنا أكثر نجد أنها تواصل الجميع مع الجميع بشكل مخيف وانصهار الكل في واحد! نحن تجاوزنا العولمة لتصبح أعمق من ذلك، العولمة التي نتحدث عنها ليست وسيلة تواصل كما كان في العشر سنوات السابقة، بل أداة تأثير خطيرة في التفكير الجمعي. والسلوكيات المجتمعية التي تنقلنا من وسيلة لأخرى ومن تطبيق لآخر بأدواتنا والإعلامية المختلفة، كانت في فترة قصيرة هي فترة المشاهير والمروّجين الذهبية، فترة الشكل على حساب المضمون، والسلعة على حساب الجودة، والكلام على حساب المعنى! ولكن لأن هذه هي حال العالم الرقمي والعولمة المعيارية الحديثة، فالمجموعات المهاجرة ترفع أقوامًا وتخفض آخرين، تمجّد هذا وتتنمر على ذاك! وتتابع وتغادر، كما لو كانت وسائل التواصل مجرد أغصان هشة تحمل الطيور لفترة وجيزة فقط، لم يعد هناك معيار حقيقي ملموس لظهور منتج أو اختفائه، ولا لظهور مشهور ثم اختفائه، لا يستطيع أحد أن يمسك بالأسباب ويقول بنشوة الفرح والانتصار «وجدتها وجدتها!» كما قال أرخميدس يومًا ما، وليس هناك جسم حقيقي لهذا التأثير الكوني العظيم نستطيع أن نضع يدنا عليه ونحدد شكله وماهيته، فقد اختلفت الموازين وتشقلبت قوانين الجاذبية التي نعرفها، وتلك التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن أصبحت «مقضومة» !

@bynoufalmarri

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق