كتاب الراية

تحت المجهر.. كيفَ نَفهم الحرية؟

«الحُرية».. قد تكون كَلمة.. لكن لا يَعرف معناها من جهلها ولم يَذق طَعمها

مَن منا لا يعرف «عُمر المختار»، المجاهد، الذي واجه الموت دون أن يهابه مطلقًا.. فوقف ضد المستعمر الإيطالي، هو ورفاقه.. ولم يتراجعوا للخلف خطوة واحدة، ولم يبيعوا وَطنهم للمحتل كما فعل آخرون من بني جلدتهم. وظلّوا إلى آخر لَحظة من حياتهم أحرارًا، كما ينبغي لكل الأحرار والشرفاء، ينشدون الحرية والخلاص لوطنهم وشعبهم.. وقد تحقق لهم ذلك في نهاية المطاف. إلا أن الذين جاءوا من بعدهم فرّطوا في الحرية التي جاءتهم.. كما فرط فيها غالبية الذين لحقوا بحركات التحرر الوطنية في المواقع الأخرى.. والسبب أنهم لم يفهموا معنى الحرية الحقيقية كما فهمها «المختار».

فلم تكن صرخة «عمر المختار» للحرية، مجرد كلمات جَوفاء.. ولم يكن طلبه لها من أجل تحرير التراب فقط. إنما كانت «الحرية» عنده جَسدًا بمعان، وقيم رفيعة، ومنهاج حياة، كُتبت بالدم، وخرجت من تحت العروق لتروي الأرض.. لتنبت «حُرية»، وتنطق «عِزة»، وتصرخ «كرامة»، وترسم «رسالة»، وتضع «خط حياة»، وتبني قاعدة «استقلال» حقيقية تبقى إلى قيام الساعة.

كان المجاهد عمر المختار، يردّد ويصرخ، موجهًا كلماته ونداءاته للحاضرين أمامه، وللمستقبل وللتاريخ القادم: «إن الله خَلَقكَ حُرًا، فَكُن كما خُلقت. الحُر هو الذي لا يبيع عَقلهُ، ولا فكرهُ، ولا مَوقفهُ، ولا وَطنهُ للآخرين!».

«الحُرية».. قد تكون كَلمة، لكن لا يَعرف معناها، من جهلها.. ولم يَذق طَعمها. قد نعتقد أننا أحرار.. لكن يَبقى العَقلُ مُغيبًا.. يبقى الفكرُ مقيدًا.. ويبقى الموقفُ أسيرًا.. ويظل الوطنُ أجيرًا. والعرب، اليوم، يملكون أرضهم التي حررها المجاهدون لهم بنضال الكلمة تارةً.. وبالدم تارةً.. وبالروح تارةً أخرى. لكن هل أصبحنا نحنُ أحرارًا فعلًا؟ هل تحررت عقولنا؟ هل تحررت أفكارنا؟ هل تحررت مواقفنا؟ والأهم هل تحررت أوطاننا حقًا، كما نزعم ونلنا استقلالنا الذي نتباهى به، ونفتخر بشروق يومه في كل عام؟

يقول «طه حسين» في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»: «وقد كانت شعوب كثيرة من الناس من أقطار كثيرة من الأرض، تعيش حرة مستقلة، فلم تُغن عنها الحرية شيئًا والاستقلال، من أن تعتدي عليها شعوب أخرى تستمتع بالحرية والاستقلال».

ويرى عميد الأدب العربي، أن هذه «الحرية» و«الاستقلال» ليست الغاية القصوى، وعلى هذه الشعوب أن: «تضيف إليهما الحضارة التي تقوم على الثقافة والعلم.. والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم.. والثروة التي تنتجها الثقافة والعلم». ومختصر القول.. أنه ما الفائدة من الاستقلال عن المستعمر والمحُتل، إن كان حالنا لم يزل كما هو.. مُختلًا بكل معنى الكلمة. وما فائدة الحرية في أن نملك الأرض والبحر والنهر والهواء.. وثروات النفط والغاز من تحت التراب والماء، ولا نملك مقومات حمايتها إلّا بالاعتماد على غيرنا.. وما الفائدة من حريتنا إن كُنّا لا ننتج ثقافة حية ولا علمًا.. ولم نَكَد نخطو خطوة صحيحة في اتجاه بناء الذات الفردية.. أو الذوات الجمعية التي تكون «شخصية المجتمع» أي ثقافته. وما فائدة خوض «معارك» البناء والعمران المادي.. مع إهمال معاركنا الأساسية في بناء «الإنسان» ذاته، التي تبدأ وتنتهي عند: معارك التنوير والديمقراطية.. وتأسيس مؤسسات المجتمع المدني.. وإطلاق الحريات.. وترسيخ هوية المجتمع الجامعة لكل العناوين تحت مظلة «المواطنة»، بتجذير الإنسان الفرد وجعله مواطنًا حاضرًا.. لا غائبًا، في كل أمر متعلق به وبحياته.

لأن في غيابه.. اغترابه وضياعه.. وفي اغترابه ضياع لهويته.. وانحراف عن مسار إنسانيته. وعندما يفقد الفرد إنسانيته ووجوده فلا معنى لحياته.. ولا معنى لوجود الوطن بعد ذلك.. بل لا يصبح الوطن وطنًا ولا أرضًا يحتضن الإنسان الحر.

وباختصار: نعم حررنا «الأوطان».. ورفعنا «البنيان».. لكننا.. نسينا «الإنسان».

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق