fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة … لا تكن زائدًا على الحياة

ليس بالضرورة أن تتحوّل إلى صانع ابتكارات لكن الأهم الإيجابية والمبادرة

سافر أحد الزهّاد لطلب التجارة وفي طريقه شاهد طيرًا كسيحًا مكسور الجناح، فجلس يترقب ويتساءل: كيف يجد هذا الطائر طعامه وشرابه في الصحراء الخالية؟

لم يمض وقت طويل حتى جاء طائر آخر، وإذا به يُطعم الطير الكسيح كما تطعم الطيور عصافيرها. تعجب الرجل وقرّر أن يعود إلى دياره قائلًا في نفسه: إذا كان الله يرزق الطير الكسيح في الصحراء فسيرزقني وأنا في بيتي.

استغرب شيخه من عودته السريعة، قال له: لماذا عدت، ألم تذهب للتجارة؟ فقص عليه القصة. فتعجب الشيخ وقال له يا سبحان الله.. أرضيت أن تكون الطائر الكسيح بدلًا عن الطائر الصحيح؟!

كثير من الناس قرّروا أن يكونوا كالطائر الكسيح، ينتظرون ماذا يفعل الآخرون، ماذا يقررون، ماذا يخططون لكي يكونوا جزءًا من قراراتهم وخططهم.

تتلفت يمينًا وشمالًا وتشاهد هذه التطورات في كافة المستويات حولنا، وعندما تتبع السبب ستجد أنها جاءت من روّاد مبادرين قرّروا أن يقدّموا للحياة إضافات نوعيّة وغادروا مربع السلبية والتشاؤم وفتحوا للأمل أبوابًا لا توصد.

ليس بالضرورة أن تتحوّل إلى صانع ابتكارات علمية، أو صناعات تغير مسار البشرية، لكن الأمر أبسط من ذلك بكثير، الأهم أن تغادر مربع العجز واليأس، وأن تكون إيجابيًا، ومبادرًا، وأن تضيف لنفسك، ولأسرتك، ولمجتمعك، ولوطنك إضافات جديدة.

أعظم عظماء الأرض لم يحصلوا على معجزات من السماء، لكنهم هزموا اليأس، وتغلبوا على لحظات القنوط والظلام، ولم يستسلموا لظروف الحياة، وقرّروا ألا يكونوا طيورًا كسيحة تنتظر العطاء من الآخرين، بل كانوا هم أصحاب العطاء وأصبحت قصصهم تُروَى للأجيال.

أصيب الأديب الراحل مصطفى صادق الرافعي بمرض شديد في سن الثلاثين حتى فقد سمعَه بشكل نهائي، لكنه صنع لنا تراثًا أدبيًا رفيعًا، وفي كتابه الشهير «وحي القلم»، وضع قاعدة ذهبية يجب أن تتحول إلى منهاج حياة حيث يقول «إذا لم تزد على الحياة شيئًا تكن أنت زائدًا عليها». سبقه في ذلك النبي القائد محمد بن عبد الله عندما قال لأصحابه «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى».

من أعظم الإضافات إلى هذه الحياة، أن تسن سنةً حسنة تتوارثها الأجيال من بعدك، قد تصنع فكرة أو مبادرة بسيطة، فعل خير، نصيحة، تغييرًا في حياة الآخرين، كلها إضافات تضفي للحياة معنى وتشعر بأنك مساهم فيها.

جميل أن تضع لنفسك تحديات تغامر من أجل أن تتجاوزها، ومعيب أن تعيش السنين الطويلة بدون هدف ولا رؤية ولا إضافة تُذكر لا لك ولا لأهلك ولا مجتمعك، اصنع الخير، تصدق، أحسن إلى الآخرين، وإذا لم تستطع فأضعف الإيمان إماطة الأذى عن الطريق.

كُن كالشجرة في سموك وعطائك، وكالنحلة في النظام، والنملة في العمل، والديك في النهوض باكرًا، لا تنتظر المقابل من الآخرين، الحياة تستحق أن تقدم لها الكثير من عطائك وثمارك وجهدك وصبرك وستجد المتعة والراحة.

للعطاء لذة لا يعرفها إلا أصحابها، للنجاح متعة، للإنجاز مشاعر لا توصف بالكلمات. فلماذا نفضل أن نبقى في دائرة المشاهدين دون أن نكون ضمن دائرة المشاهدة، لماذا نفضل أن نبقى في دائرة الاحتياج دون أن نكون ضمن دائرة العطاء؟!.

المميزون في الحياة لا يختلفون عنك، هم فقط ينظرون إلى الأمور بنظرة إيجابية، هم أشخاص يعتبرون الفشل فرصة للتعلم، والخسارة تجربة للربح، هم من يبدؤون بالأمور الصغيرة ويصبرون عليها حتى تكبر، هم من يفضلون العمل ويتركون الحديث للآخرين.

كلنا نعرف قصة الشيخ أحمد ياسين، رجل مشلول بشلل رباعي، ولا يتحرك منه سوى رأسه، لكنه صنع قصة كفاح ونضال وقاد رحلة تضحية حيّرت العدو، واستلهم منها الأبطال رحلة الكفاح والنضال حتى يومنا هذا وعبر الأجيال القادمة.

يقول سومرست موم، إن من عجائب الحياة، أنك إذا رفضت كل ما هو دون مستوى القمة، فإنك دائمًا تصل إليها، ويقول أرسطو «المرء هو أصل كل ما يفعل». فاختر لنفسك أي مقعد في الحياة تريد أن تعيش، واحذر أن تكون حملًا زائدًا على الحياة.

خبيرة ومدرّبة في مجال التنمية البشرية والتطوير المؤسسي

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X