كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. مجاعة البطاطس

نادي (دورهيدا) أشهر الأندية الأيرلندية شعاره الهلال والنجمة امتنانًا للعثمانيّين

خلال الغزو الإسباني لجبال الإنديز في أمريكا الجنوبية استرعى انتباه الجنود أحد المحاصيل الزراعية، له شكل غريب وطعم لذيذ فنقلوه معهم إلى أوروبا، لم يدر بخلدهم أن اكتشافهم ذلك سوف يُصبح من أهم الأغذية في عالم اليوم، كانت الثمرة المُكتشفة التي تم نقلها إلى أوروبا هي «البطاطس».

أيرلندا منذ عام ١٨٠١ خضعت للاستعمار البريطاني، وتعامل المُستعمر مع سكانها الكاثوليك بأسلوب قاسٍ جدًا وتهميش بسبب الاختلاف المذهبي والعِرقي، حيث استأثر الموظفون الإنجليز بالأراضي الزراعية والإدارة، إضافة إلى الاستعانة بالأقلية البروتستانتية فقط.

أصبحت ثمرة البطاطس منذ دخولها أيرلندا الغذاء الرئيسي لسكانها وأهملوا بقية المحاصيل، ولكن حدث أمرٌ لم يكن في حُسبان أحد منهم، فقد انتشرت آفة زراعية تسمّى (اللفحة المُتأخرة) عام ١٨٤٥ أدّت إلى إتلاف ٩٠٪ من محصول البطاطس، الأمر الذي سبّب مجاعة سُميت في كُتب التاريخ ب«مجاعة البطاطس».

ساعد على زيادة حدة المجاعة أن الكثير من المُزارعين المحليين تم طردهم من قبل الملاك الإنجليز بسبب عدم قدرتهم على دفع الأجرة، ما جعل الكثير من الأراضي خالية من المُزارعين ومن مُنتوجاتها الغذائية، الغريب أنه خلال فترة المجاعة كانت السفن الإنجليزية تنقل إلى بريطانيا المحاصيل الغذائية واللحوم والحبوب من أيرلندا، وتذكر الباحثة التاريخية (كريستين كينيلي) أن عام ١٨٤٧، أي في وسط المجاعة، نقلت ٤٠٠٠ سفينة الطعام من أيرلندا إلى مُوانئ بريطانيا، وأدت المجاعة إلى هجرة كل قادر على الهجرة، أما من بقي فقد استسلم انتظارًا للموت لعدم وجود بارقة أمل تنقذهم.

حين انتشرت الأخبار عن تلك المأساة أخذت المُساعدات تُرسل إلى الأيرلنديين من دول كثيرة، تعاطفت مع المأساة الإنسانية، مُساعدات من إيطاليا والمكسيك وجنوب إفريقيا وفنزويلا والولايات المتحدة، ودول أخرى، لكن أكثر من تصدّر المشهد في نجدتهم هو السُلطان العثماني عبد المجيد الذي أعلن أنه سوف يُرسل 10 آلاف جنيه، وبعد هذا الإعلان حضر له سفير بريطانيا يترجّاه بلسان الملكة أن يجعلها ألف جنيه، والسبب أن الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا لم تتبرّع سوى بألفي جنيه، ووافق السُلطان العثماني الذي أرسل سفن إغاثة إنسانية مُحمّلة بالأطعمة والمُساعدات وحتى بذور الزراعة، بريطانيا قابلت بجحود هذه النجدة الإنسانية بمنع رسو السفن العثمانية في ميناء دبلن القريب، ما اضطرهم للرسو في ميناء (دورهيدا) الذي يبعد 30 ميلًا عن العاصمة ما جعل إيصال المُساعدة أكثر صعوبة، لم ينس ذلك لهم شعب أيرلندا، ففي عام ٢٠٠٦ قام الأيرلنديون بتعليق رسالة الشكر التاريخية على مبنى بلدية (دروهيدا) التاريخي الذي أنشئ منذ ٨٠٠ سنة، وكان مقر البحّارة الأتراك الذين أحضروا المُساعدات، مُتذكرين تلك اللحظات الحزينة ونبالة الأتراك.

تلك الرسالة التي أرسلها الأيرلنديون إلى السلطان العثماني عبدالمجيد كتبوا فيها:

«يتقدم الشعب الأيرلندي والنبلاء المُوقعون على هذا الخطاب بجزيل الشكر والتقدير لجلالة السلطان عبد المجيد على كرمه وإحسانه تجاه الشعب الأيرلندي الذي يُعاني المجاعة، كما يتقدم بالشكر الجزيل لجلالته على تبرّعه السخي بألف جنيه إسترليني لتلبية احتياجات الشعب الأيرلندي والتخفيف من آلامه».

ويُذكر أن نادي (دورهيدا) الأيرلندي لكرة القدم الذي تأسس عام ١٩١٩ يتضمّن شعار النادي حتى يومنا هذا رمزي الهلال والنجمة، امتنانًا للدور التركي في المجاعة.

لحظات مأساوية مرّت عليهم، قضى مليون شخص نحبهم وهاجر مليونان لتفقد أيرلندا جزءًا كبيرًا من شعبها في هذه الكارثة، وقد بقي في أنفسهم الشيء الكثير تجاه بريطانيا حين أدارت ظهرها لهم في كارثتهم، بل ساهمت بزيادة المشكلة حين استنزفت البقية من ثروتهم الغذائية من دون رحمة، الأمر الذي دعا توني بلير رئيس وزراء بريطانيا عام ١٩٩٧ لتقديم اعتذار رسمي إلى الأيرلنديين عن ما جرى لهم في تلك الفترة، بسبب التعنّت البريطاني في التعامل معهم.

ختامًا هذه صورة تاريخية مأساوية حدثت في قلب أوروبا، وعلى مرمى حجر من بريطانيا وتحت إدارتها، التي تزعم دائمًا أنها تنشر التقدم وأنها مركز إشعاع حضاري، ومن خلال أذرعها الإعلامية تقوم بتزييف تاريخ الدولة العثمانية. عمومًا كثير من الحوادث تشعرنا أننا بحاجة إلى إعادة قراءة التاريخ بهدوء لنعيد الاعتبار لإنسانيتنا.

Twitter:khalifa624

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق