fbpx
المنتدى

الكنداكة.. أيقونة الثورة السودانية «4»

الشعراء عبيد عبد النور وخليل فرح وود القرشي مشاعل للحرية

بقلم- بابكر عيسى أحمد

 يا أم ضفائر قودي الرسن

واهتفي فليحيا الوطن

أصلو موتنا فوق الرقاب

كان رصاص أم كان بالحراب

البدور عند الله الثواب

اليضحي وياخد العقاب

المرأة السودانية هي أنشودة الزمن الجميل، وهي الضوء الذي يزيل عتمة الليالي المظلمة، وهي الجدار الذي تتكسر عليه نصال الزمن القاسي، فهي ذات العيون الناعسة والقسمات الصارمة في مواجهة الظلم والهوان.. وفي تاريخنا ماجدات دافعت عن تراب الوطن وغنت للفرسان وتقدمت الصفوف عبر مسارات التاريخ القريب والبعيد.. والكنداكة التي تغنّى باسمها الثوار في هبة ديسمبر المجيدة هي ملكة نوبية سجلت اسمها بأحرف من نور على جدار الزمن.

الآن لم ينقض الوقت بعد فالمرأة السودانية تتقدم الصفوف، وتطلق زغرودة تحرك الحشود الهادرة حتى أسقطت جدران الظلم والمهانة، وتعرضت لكافة أشكال الظلم ولكنها صمدت في مواجهة البغي والعدوان والكراهية.

المرأة السودانية هي تفاحة هذا العصر، وقد بان للعالم توهجها خلال شهور الاعتصام رغم جرائم القتل والاغتصاب وحرق الخيام ودفن الثوار أحياء في مياه النيل النبيل الذي بات يبكي حرقة من بشاعة الجريمة وخبث الأدعياء الذين خططوا ونفذوا هذه الجريمة بليل بهيم.. فالمرأة السودانية هي الأم والأخت والزوجة والصديقة وهي ريحانة هذا الزمن المعطر بالبارود.

اندهش صديقي الصحفي والكاتب الموهوب البدوي يوسف أنني لا أذكر شاعر هذه الأبيات المغناة وقال لي إنه عبيد عبد النور 1896-1963 الشاعر والإذاعي والتربوي، وهو أول من قال «هنا أمدرمان» من الإذاعة السودانية التي انطلقت في العام 1940 وكتب تلك القصيدة الوطنية الشهيرة في العام 1924. وشكل عبيد عبدالرحمن ثنائية شهيرة مع الفنان إبراهيم الكاشف وقدم له أكثر من 50 أغنية.

ما أكثرهم شعراء بلادي الذين غنوا للحرية ومجدوا الشهداء وهتفوا للوطن وغنى الرائع عبدالكريم الكابلي «هبت الخرطوم في جنح الدجى» للشاعر الكبير عبد المجيد حاج الأمين.. ضمدت بالعزم هاتيك الجراح.. وقفت للفجر حتى طلع… مشرقًا للجبهة مخضوب الجناح.. يحمل الفكرة والوعي معاه.. والتقينا.. في طريق الجامعة.. مشهدًا يا موطني ما أروعه.. وأتى من كل فج ثائر.. هزه صوت ينادي يا بلادي.. وانتصرنا يا بلادي.. بالدماء بجراحات الضحايا.. بالفداء يا بلادي.

ويأتينا صوت الراحل علي عبد القيوم -طيب الله ثراه- .. ها نحن يا حبيبنا الجريح.. نعيد مجدك القديم شامخًا ورائعًا.. فلتسترح على صدورنا.. ولنكتشف معًا دروبنا.. نُبايع السودان سيدًا.. نُبايع السودان والدًا وولدًا.

كما يأتينا الدوي الصارخ عبر كلمات الراحل الدكتور مبارك بشير.. نذكر اليوم جميع الشهداء.. كل من خط على التاريخ سطرًا بالدماء.. نذكر اليوم جميع الشرفاء.. كل من صاح في وجه الظلم لا.. نحن أبناؤك في الفرح الجميل.. نحن أبناؤك في الحزن النبيل.. سنغني لك يا وطني كما غنّى الخليل.. مثلما غنت مهيرة.. تُلهم الأجيال جيلًا بعد جيل.

خلال الحديث عن الوطن والحرية والفداء لابد أن نذكر الفنان العملاق والشاعر الكبير خليل فرح بدري كاشف خيري الذي أحدث نقلة نوعية في الشعر الوطني والغنائي من خلال الرمزية التي اتخذها منهاجًا له.

ولعل أغنية «عزة في هواك» التي أصبحت رمزًا لحب الوطن والتي ما زال الجميع يترنمون بها ويرددونها نشيدًا وطنيًا شامخة في الأذهان.. عزة ما سليت وطن الجمال.. وما ابتغيت بديل غير الكمال.. وقلبي لسواك ما شفتومال.. خذيني باليمين وأنا راقد شمال.

ولد خليل فرح بمركز حلفا بشمال السودان عام 1892 ثم انتقل مع والده إلى مدينة دنقلا وبعد نيله الشهادة الابتدائية عاد إلى جزيرة صاي حيث قضى بها بعض الوقت قبل مجيئه للخرطوم.

عقب أغنية «عزة في هواك» جاءت أغنية «الشرف الباذخ» التي ابتعد فيها الشاعر عن الرمزية وبات أكثر مباشرة في عدائه للمستعمر البريطاني ووصفه صراحة بأنه «طفيلي دخيل» وقد تسبب له ذلك في الكثير من المتاعب مع جهاز مخابرات الاحتلال البريطاني.

تقول القصيدة في مطلعها.. نحن ونحن الشرف الباذخ.. دابي الكر.. شباب النيل، ثم يمضي مستنهضًا همم السودانيين.. قوم قوم كفاك يا نايم.. شوف شوف حداك يا هايم.. مجدك ولى وشرفك ضل.. امتى تزيد زيادة النيل.. نحن برانا نحمي حمانا.. نحن نموت ويحيا النيل.

فقد ناضل خليل فرح بالكلمة والأغنية الوطنية وساهم في دحر الحكم الإنجليزي المصري البغيض.

يذكرني الصديق عمر الفحيل أن مِن بين الشعراء الذين عاصروا الحقبة الاستعمارية وغنوا للوطن إبان تلك الفترة الشاعر الكبير محمد عوض الكريم القرشي، في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حيث كانت الساحة تتأجج بالحماس والنضال من أجل حصول البلاد على الاستقلال.. ولم يفت الشاعر القرشي شرف المشاركة بشعره الوطني الذي عبر عنه بقوة لكسر القيود وطرد المستعمر الغاشم.

ومعروف عن الشاعر محمد عوض الكريم القرشي أنه من كبار شعراء الأغنية العاطفية التي ظل يتمتع بها المستمعون بمشاركة رفيق دربه الفنان الكبير عثمان الشفيع، فمَن منّا لم يطرب لروائعهما.. الذكريات.. الحالم سِبانا.. والزهور والورد.. وغيرها من الدرر.

لم ينس الشاعر القرشي أن يتغنى للوطن وقدم في ذلك الزمن الصعب أنشودة.. «وطن الجدود».. و»جنود الوطن» وغيرهما.. وكان القرشي ناشطًا في الحركة الوطنية في مدينة الأبيّض حيث شغل منصب سكرتير نادي الخريجين كما كان من مؤسسي نادي العمال بالمدينة.

وتقول كلمات «وطن الجدود».. وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود.. وطني.. وطن الجدود نحن الفدا.. نتمنى ليك دايمًا تسود.. بدمانا نكتب ليك خلود.. هيّا يا شباب هيّا يا جنود حطموا هذه القيود.. وطن الجدود نِعم الوطن خيراتوا كم يتدفقن.. آن الأوان أن نمتحن.. في سبيلولا نطلب ثمن.

لله درّهم هؤلاء الرجال الشامخون الذين ظل الوطن جواهر في عيونهم حبًا وعشقًا وانتماءً وهم يمثلون لنا الآن الزاد على طريق الحرية والسلام والعدالة لتبقى راية السودان شامخة وخفاقة.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X