fbpx
كتاب الراية

خواطر.. إعلانات برّاقة

ما أكثر من تضرّروا جراء تخفيض أوزانهم باتّباع حميات غذائية غير ملائمة

قلْ للمليحة بالخمار الأسود

ماذا فعلت بناسك متعبّد

قد كان شمر للصلاة ثيابه

حتى وقفت له بباب المسجد

ردّي عليه صلاته وصيامه

لا تقتليه بحقّ دين محمد

تعود قصة الأبيات إلى تاجر قماش جلب بضاعة من الخُمُر بعدّة ألوان، بيعت ما عدا السوداء منها، فطلب التاجر من شاعر يُلقب ب «مسكين الدارمي» أن يساعده في التسويق لخُمُرِه، فأخذه خيال الشعراء للتغزّل بحسناءَ لم يرَها، فشاع بين الناس أن الدارمي عاشق مُتيّم بصاحبة خمارٍ أسود، فتنافست النساء لشراء الخُمُر السود حتى نفدت، وتعتبر تلك الأبيات أوّل وأرقى دعاية تسويقية في التاريخ الإسلامي، فالتسويق علمٌ قائمٌ على دراسة النفس البشرية.

ولكن ماذا عن التسويق في الحضارات غير العربية وفيما قبل الإسلام بكثير؟، لطالما تغيرت معايير الجمال في التاريخ البشري على مدى العصور وفْقًا للموضة، فالموضة ليست أمرًا مُستحدَثًا أو هوسًا أصاب الأجيال الحالية كما يظن البعض، بل موجودة منذ آلاف السنين ويتم تحديثها طِبقًا لمواصفات بعض الشخصيات المهمّة أو المشهورة من نساء ورجال، ضمن توجهات عقائدية أو سياسية من حيث اختلاف طبقات المجتمع وتوجهاتهم في تحديد شكل الجسم ولون الشعر والبشرة والعيون والأزياء وتفاصيل أخرى قد تكون صادمة لنا حد الغثيان والاشمئزاز.

وسأختصر بِذِكر بعضها، ففي الصين مثلًا ظهرت بين 618 و960 ميلادي موضة قولبة أرجل الصغيرات عن طريق ثنيها وربطها فيما يُسمّى «حذاء اللوتس» بحيث لا تنمو بشكل طبيعي، ما أدى إلى إعاقة في حركة النساء لاحقًا وعدم قدرتهن على الحياة بدون مساعدة، وتكهن المؤرخون بأن الأمر لم يتعلق بالجمال فحسب، بل بقمع النساء لتعزيز فكرة المجتمع الذكوري، ورغم قساوة مراحل ثني الأقدام والأضرار الواضحة للجميع، أقبلت الإناث لمئات السنين على فعلها كي يصبحن مرغوبات أكثر للزواج.

أمّا في أوروبا، ففي القرن السادس عشر كانوا يفصّلون مشدات للنساء مدعمة بعظام الحيتان تقوم على تقويض الخصر وتؤثر سلبًا على القفص الصدري وأعضاء الجهاز الهضمي من أجل ارتداء أزياء ضيقة جدًا تبرز المنحنيات.

وعلى مرّ التاريخ البشري ظهرت صرعات غريبة كتطويل العنق بِرَصِّ حلقات فوق حلقات، وخياطة الرموش في الجلد والشعر المستعار والحواجب الخضراء وتلوين الأسنان بالأسود أو تفريق الأمامية منها، وتطويل الأظفار لتصبح أطول من الأصابع، وتبييض البشرة بمساحيق بيضاء أو دهنها بمساحيق معدنية لامعة شوّهت وقتلت العديد بسمومها، كل ذلك فعله البشر وأكثر بكثير في سبيل التقليد وحُبّ الظهور وجذب الأنظار.

ولو قارنّا بين الموضة في عصرنا هذا والعصور السابقة لوجدنا أننا بألف خير، لأن الغالبية العظمى استوعبت اختلاف الأشكال وارتقت فكريًّا بالرضا عن النفس وآثرت الراحة الشخصية بالابتعاد عن عبث السابقين بأجسادهم لنيل إعجاب الآخرين.

قال تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»، جاءت الزينة والأكل في آية واحدة دلالة على أهمية المظهر والمأكل للإنسان مع وجوب الاعتدال والاقتصاد فيهما، لقد خُلقنا في أحسن تقويم بعقولنا وقدرتنا على التفكّر والتدبّر والتمييز، نحن بحاجة لجولة في تاريخ التسويق والترويج المُتّبَع على مر العصور، ولسنا بحاجة لعالم ذرة يرشدنا إلى فوائد الزنجبيل، ونستطيع أن نعيش بخير بدون بذور الشيا والكنوة وغيرهما مما يتم الترويج له بشكل مبالغ به.

يبقى التحكم في الوزن معاناة الكثيرين منّا، والأصعب هو تحديد نوعية وكَمية الغذاء وفقًا للحالة الصحية للشخص، لذا فنحن اليوم نعاصر تسويقًا لعلوم مستحدثة بشأن التغذية الصحية ونطالع يوميًّا عددًا من النظريات المتضاربة في هذا المجال، فنجد مَن ينصح بالتحول إلى الغذاء النباتي الخالي من المنتجات الحيوانية أو حتى البحريّة، كما نجد من يُشجع على حمية الكيتو الغنية بالبروتين والدهون دون مراعاة لاختلاف طبيعة البشر من حيث النشاط والبنية الجسدية والأمراض الوراثية الكامنة، وما أكثر من تضرروا جراء تخفيض أوزانهم باتباع حميات غذائية غير ملائمة.

إن مطبخنا العربي زاخر ومتنوع بكل مفيد ويشمل أنواعًا شتّى من البهارات والأعشاب والبقول والحبوب المناسبة لنا في كل المواسم.

ومن المفارقات أن نسمع أحد الصائمين في رمضان يستفتي أهل العلم عن إمكانية إفطاره على توقيت المغرب في مكّة؛ لأنه يعيش في بلد ساعات صيامه تتجاوز 18 ساعة، بينما يتبع البعض نظرية الصيام المتقطع والطويل للتخلص من السموم والوزن الزائد!

تنصّ إحدى الدعايات الترويجية التي ظهرت في السنوات الأخيرة على أن الفلفل الأسود يُساعد في تخفيض الوزن وأنّه إذا مُزج مع الكركم قضى على بعض الحساسيات، فأصبح البعض يضعونه في المأكولات والمشروبات كالسلطات والقهوة والعصير وغيرها، وطبعًا لم يذكر الراوي أنّه ربما نحتاج لكيلوجرام من الفلفل كي نحرق نصف جرام من الدهون، ويبقى التمييز هو ما يميّز الإنسان.

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق